بنتي قالت لي: «ماما، بكرة ما راح أروح المدرسة، أبي أنام ومالي خلق اقوم من النوم».
وقتها كان عمرها ١٤ سنة، والحين عمرها ٢٥ سنة.
قلت لها: «طيب، براحتك».
ثاني يوم، اتصلت المدرسة وسألوني: «بنتك مريضة؟ لأنها ما حضرت اليوم».
قلت لهم: «لا، مو مريضة».
قالوا لي: «بس غيابها بينحسب عليها، وممكن يأثر على درجات المواظبة».
قلت لهم: «أنا فاهمة، لكن هي اللي قررت ما تروح المدرسة، وهي اللي لازم تتحمل نتيجة قرارها».
قفلت معهم، وبعدها جتني بنتي تسألني: «ماما، المدرسة اتصلت عليك؟ إيش قلتي لهم؟»
قلت لها: «إيه، اتصلوا، وقلت لهم الحقيقة.. قلت لهم إنك مو مريضة، وإنك قررتِ تغيبين لأنك تبين تنامين».
تغير وجهها وقالت لي باستغراب:
«يعني ما قلتي لهم إني تعبانة؟ كان ممكن تقولين أي عذر!»
قلت لها: «وليش أكذب عشان أطلعك من موقف إنتِ اللي حطيتي نفسك فيه؟ إنتِ اخترتِ ما تروحين، والحين لازم تتحملين نتيجة اختيارك».
يمكن وقتها ما عجبها موقفي، ويمكن كانت تتوقع إني أغطي عليها مثل كل مرة، لكن بالنسبة لي كان هذا درس لازم تتعلمه.
أنا ما كنت أبي أعاقب بنتي، كنت أبيها تفهم إن قراراتها لها عواقب، وإن مو كل مرة بتلقى أحد يكذب أو يتدخل عشان ينقذها منها.
وفيه فرق كبير بين إنك تترك ولدك يغلط ويتعلم، وبين إنك تتركه يواجه خطر ممكن يأذيه.
إذا كل مرة تدخلنا وحلّينا مشاكل عيالنا بدلهم، متى بيتعلمون يتحملون مسؤولية أنفسهم؟
أنا كنت مؤمنة إن بنتي لازم تتعلم هالدرس وهي صغيرة، قبل ما تكبر وتكتشف إن الحياة ما راح تعطيها عذر كل مرة.
صديقتي كانت مخطوبة لرجال الكل يمدحه، ودائم يقولون لها: «يا حظك فيه، واضح إنه رجال يقدّر المرأة».
لين صار موقف بسيط في أول عزيمة لها ببيت أهله، خلّاها تعيد حساباتها كلها.
كانت أمه مجهزة العشاء، وبعد ما خلصوا، قامت تشيل السفرة وتلم الصحون.
صديقتي قامت معها وقالت: «يمّه خليني أساعدك».
قبل لا ترد أمه، خطيبها قال: «لا لا، اجلسي، أنتِ ضيفتنا اليوم».
انبسطت من موقفه، وحست إنه ما يبي يتعبها بأول زيارة.
لكن وهي جالسة، انتبهت إنه ما تحرك من مكانه، وأبوه بعد جالس يتابع التلفزيون.
أمه راحت للمطبخ، تغسل الصحون وتجهز القهوة للي باقيين بالمجلس.
صديقتي قامت مرة ثانية، وهالمرة خطيبها التفت عليها وقال بنبرة مستغربة:
«قلت لك اجلسي! أمي متعودة على هالشغل، لا تحرجيني معها».
الكلمة وقفت في حلقها.
مو لأنه رفض مساعدتها، لكن لأنه تكلم عن تعب أمه كأنه شيء ما يستاهل حتى يناقشونه.
بعد شوي، راحت للمطبخ تجيب موية، ولقت أمه لحالها تغسل قدور العشاء.
قالت لها: «يمّه، ليه ما تخليهم يساعدونك؟»
ضحكت أمه وقالت: «يا بنتي، الرجال من يوم هو صغير ما تعوّد يدخل المطبخ، وأنا أخلص أسرع منهم».
صديقتي ما علّقت، لكنها لاحظت إن أمه وهي تتكلم كانت تفرك يدينها من التعب.
في طريق الرجعة، خطيبها كان يسولف بكل عفوية: «شفتي أمي كيف؟ ما تقصر معنا أبد، حتى وهي تعبانة ما تحب أحد يشيل عنها».
سألته صديقتي: «طيب وأنت، ليه ما قمت تساعدها؟»
استغرب وقال: «وش دخل؟ هذي أمي، وأنا أساعدها بأشياء أهم. وبعدين هي بنفسها ما تحب أحد يدخل بشغلها».
قالت له: «بس أنا يوم قمت أساعدها، أنت اللي منعتني».
رد بكل ثقة: «لأنك ضيفتي، ما أبيك تتعبين عندنا».
سكتت شوي، ثم سألته: «طيب لو تزوجنا، وجيت من الدوام ولقيتني أطبخ وأغسل وأنظف، وأنت جالس، بتقوم تساعدني؟»
ضحك وقال: «لا تقارنين نفسك بأمي! أمي تعرف تدبر البيت، وأنتِ مع الوقت بتتعلمين».
هنا اختفى من بالها كل الكلام الحلو اللي كان يقوله لها عن إنه بيكون سندها.
هي ما كانت تدور على رجال يغسل الصحون عشان ترضى فيه، ولا كانت تنتظر منه يسوي كل شيء عنها.
كانت تبي تعرف شيء واحد: هل هو يشوف شغل البيت مسؤولية مشتركة، أو يشوف إن فيه امرأة لازم تتعب عشان هو يرتاح؟
بعد يومين، اتصل عليها وقال: «أمي تسأل عنك، تقول ليه ما عاد كلمتيها؟»
قالت له بهدوء: «لأني أبي أتأكد من شيء قبل ما نكمل».
سألها: «وش هو؟»
قالت: «لو أمك تعبت يوم من الأيام وما قدرت تخدم أحد، هل بتتعلم تسوي الأشياء بنفسك؟ ولا بتدور لك على وحدة ثانية تقوم بنفس الدور؟»
عصب وقال: «أنتِ مكبرة الموضوع، كله عشان كم صحن؟»
وهنا عرفت إن المشكلة ما كانت في الصحون من البداية.
المشكلة إنه ما شاف تعب أمه، ولما حاولت تلفت نظره له، شافها هي اللي تصنع مشكلة.
وبعد أسبوع، طلبت منه يوقفون موضوع الزواج مؤقتًا.
مو لأنها حكمت عليه من زيارة وحدة، لكن لأنها اكتشفت إن الرجل ممكن يعاملك بلطف شديد، بشرط إن فيه امرأة ثانية تتحمل التعب اللي ما يبي يشوفه.
وأحيانًا، أكثر شيء يكشف لك شريك حياتك مو كيف يعاملك وأنتِ قدامه، بل كيف يتعامل مع الشخص اللي يضمن إنه ما راح يشتكي ولا يتركه مهما تعب.
يوم ولدت بنتي، حماتي أخذت مفتاح شقتي من زوجي، وبدأت توزّع أغراضي على بناتها… وهي متأكدة إني ما راح أقدر أعترض!
أنا متزوجة من 5 سنوات، وكنت أعيش مع زوجي في شقة فوق بيت أهله. من يوم تزوجنا، وأنا أحاول أكسب رضا أمه، حتى إني كنت أتنازل عن أشياء كثيرة عشان ما تصير مشاكل بيننا.
قبل ولادتي بشهرين، زوجي فقد وظيفته، وصار يقول لي إنه يدور على فرصة ثانية. وقتها كنت أشتغل، وصرت أتحمل الإيجار والفواتير ومصاريف البيت، وحتى قسط السيارة اللي يستخدمها.
ما عيّرته يوم، ولا خليته يحس إنه أقل مني.
لكن بعد ولادتي بأسبوع، اضطريت أدخل المستشفى مرة ثانية بسبب مضاعفات، وجلست عند أهلي كم يوم عشان أتعافى.
رجعت لشقتي وأنا متوقعة ألقى سرير بنتي جاهز، وملابسها مرتبة، وأخيرًا أرتاح في بيتي.
لكن أول ما فتحت الباب، عرفت إن فيه شيء غلط.
سرير بنتي اختفى من غرفتها.
والخزانة اللي كنت حاطة فيها ملابسها صارت فاضية تقريبًا.
دخلت الصالة، ولقيت كراتين مفتوحة وأغراض متجمعة عند الباب.
طلعت حماتي من المطبخ، بكل هدوء، وقالت:
«الحمد لله إنك جيتي، كنت بقول لولدي يكلمك. بنتي بتتزوج قريب، وأخذت لها غرفة النوم اللي عندكم، وأنتم أصلًا ما تحتاجونها الحين».
حسبت إني ما سمعتها صح.
قلت لها:
«كيف أخذتي أغراضي من دون ما تستأذنين مني؟»
ردت ببرود:
«هذي أغراض ولدي، وأنا أمه. وبعدين أنتِ عند أهلك من فترة، وش كنتِ بتسوين فيها؟»
اتصلت على زوجي فورًا.
قال لي:
«يا بنت الحلال، أمي ما قصدها شيء. أختي محتاجة الأغراض أكثر منا، وإحنا نقدر نشتري غيرها بعدين».
سألته:
«حتى سرير بنتك؟»
سكت ثواني، ثم قال:
«أمي قالت إن بنتك للحين صغيرة، وتقدر تنام معك».
قفلت المكالمة.
مو لأن ما عندي كلام أقوله، لكن لأن الإنسان أحيانًا يكتشف إن المشكلة أكبر من مجرد أغراض انأخذت.
فتحت حسابي البنكي، وبدأت أراجع المشتريات اللي دفعتها خلال السنوات الماضية. كل فاتورة كنت محتفظة فيها، وكل تحويل كنت مسويته لحساب زوجي عشان مصاريف البيت.
بعدها اتصلت بأخوي وطلبت منه يجي يساعدني.
ولما وصل، بدأت أجمع ملابسي وأغراضي الشخصية وأغراض بنتي. ما لمست أي شيء ما أقدر أثبت إنه لي.
حماتي كانت تراقبني وهي تقول:
«كل هذا عشان كم قطعة أثاث؟ عيب عليك، بتخلين الناس تضحك علينا!»
قلت لها:
«أنا ما طلعت من بيتي عشان الأثاث، أنا طلعت لأنكم قررتوا إن مالي وبيتي وقراراتي كلها من حقكم».
وقبل ما أطلع، وصل زوجي.
كان معصبًا، ولما شاف الكراتين قال:
«إذا طلعتي الحين، لا ترجعين تندمين!»
طالعته وقلت:
«أنا ما ندمت يوم وقفت معك وأنت بلا وظيفة، ولا يوم دفعت عنك وأنت تقول لي اصبري. لكني ندمت يوم صدقت إنك بتوقف معي مثل ما وقفت معك».
ثم أخذت بنتي وطلعت.
بعد يومين، أرسل لي زوجي رسالة يقول فيها إن أمه زعلت، وإن أخته ما تقدر ترجع الأثاث بعد ما رتبته في بيتها، وإنه يبغاني أرجع عشان «نحل الموضوع بيننا».
لكن الرسالة اللي وصلتني بعدها كانت هي اللي حسمت قراري.
أرسل لي صورة من محادثة بينه وبين أمه، بالغلط، بدل ما يرسلها لها.
كانت أمه كاتبة له:
«خلّها تهدأ كم يوم، هي ما عندها مكان تستقر فيه مع البنت، وبتضطر ترجع. أهم شيء لا تعطيها فلوسها، إذا رجعت بنقنعها إن كل اللي صار كان سوء تفاهم».
قرأت الرسالة أكثر من مرة.
فهمت وقتها إنهم ما كانوا ينتظرون إني أهدأ… كانوا ينتظرون إني أضعف.
ما رديت عليه، وبدأت أستشير محامية عن حقوقي وحقوق بنتي، وكيف أطالب بمستحقاتي بطريقة نظامية.
وبعد أسبوع، اتصل زوجي وقال إنه مستعد يرجع لي الأغراض، بشرط أرجع للشقة وما أتكلم عن اللي صار مع أهلي.
قلت له:
«الأغراض أقدر أطالب فيها، لكن الثقة اللي ضيعتها ما تقدر ترجعها بشرط».
ومن يومها، كل ما أحد من أهله يكلمني ويقول إني خرّبت بيتي بسبب سوء تفاهم، أسأل نفسي:
لو كنت مكانهم، هل كنت بتعتبر أخذ أغراض أمّ جديدة من دون إذنها مجرد سوء تفاهم؟ ولا المشكلة الحقيقية إنهم كانوا متأكدين إنها ما راح تقدر تقول لهم لا؟
صديقتي انفصلت عن زوجها بعد ١٦ سنة زواج، وكانت تحسب إن مشكلتها الوحيدة إنها بتبدأ حياتها من الصفر.
لكن يوم راحت تفتح حساب بنكي لحالها، اكتشفت إن الموضوع أكبر بكثير من اللي تخيلته.
طول زواجها كانت تشتغل معه في مشروعهم العائلي، تستقبل العملاء، تتابع الطلبات، وتحل مشاكل الموظفين، لكن راتبها كان ينزل في حساب زوجها لأنه هو اللي يدير الحسابات.
كانت تقول: «إحنا بالنهاية بيت واحد، وش بيفرق إذا الفلوس بحسابي أو حسابه؟»
لين جاء اليوم اللي احتاجت فيه فلوس عشان تستأجر شقة وتبدأ من جديد.
اتصلت عليه وقالت: «حوّل لي المبلغ اللي اتفقنا عليه، أبي أخلص موضوع الشقة».
رد بكل برود: «أي مبلغ؟ أنتِ للحين ما تعرفين كم تكلف الحياة لحالك».
قالت: «أنا ما طلبت منك تصرف عليّ، أبي حقي من شغلنا».
قال: «المشروع باسمي، والحساب باسمي، وإذا لك شيء أثبتيه».
قفلت المكالمة وهي تحاول تستوعب كيف صار كل اللي بنوه مع بعض فجأة ملك شخص واحد.
راحت تدور وظيفة، لكن أول مقابلة سألوها عن خبرتها، ولما شرحت لهم إنها كانت تدير جزءًا كبيرًا من مشروع زوجها، سألوها:
«طيب، عندك إثبات أو سجل وظيفي؟»
ما كان عندها شيء واضح تثبت فيه سنوات شغلها.
رجعت البيت ذاك اليوم وهي منهارة، وقالت لأختها: «أنا ما كنت عاطلة، أنا كنت أشتغل كل يوم، بس اكتشفت إني ما بنيت لنفسي أي شيء أقدر أوقف عليه».
أختها قالت لها جملة غيّرت تفكيرها: «المشكلة مو إنك وثقتي فيه، المشكلة إنك خليتي كل مستقبلك المالي مربوط بشخص واحد، حتى لو كان أقرب الناس لك».
بدأت تتعلم مهارة جديدة، وتشتغل على مشاريع صغيرة، وكل مبلغ تكسبه تحطه في حسابها وتوثّق شغلها بنفسها.
بعد فترة، صار عندها دخل ثابت، وقدرت تستأجر شقتها وتدفع مصاريفها بدون ما تنتظر أحد.
لكن أكثر شيء أثر فيها مو الفلوس.
قالت لي: «أول مرة دفعت إيجار بيتي من حسابي، جلست أطالع إشعار التحويل وأبكي. مو لأن المبلغ كبير، لكن لأني لأول مرة من سنين حسّيت إن عندي قرار يخصني وما أحتاج أطلب الإذن عليه».
القصة هذي خلتني أفهم إن الأمان المالي مو مجرد إن بيتك مليان احتياجات، أو إن زوجك كريم وما يقصّر معك.
الأمان الحقيقي إنك تعرفين وضعك المالي، وتملكين وسيلة دخل، وتقدرين تتصرفين وقت الحاجة بدون ما تنهار حياتك لو تغيّر شيء.
مو لأن كل زوج ممكن يغدر، ولا لأن الزواج لازم يكون معركة بين طرفين، لكن لأن الظروف تتغيّر حتى لو كانت النوايا طيبة.
أحيانًا أكبر مخاطرة مو إنك ما تملكين فلوس اليوم، بل إنك تقضين سنوات تبنين حياة كاملة، وبعدين تكتشفين إن ما عندك شيء تقدرين تعتمدين عليه لو اضطرّيتي تبدئين من جديد.
قبل فترة، زوجي قرر يعزّم أهله عندنا بدون ما يرجع لي، والمشكلة مو هنا… المشكلة إنّه كان متعود إني أرتّب كل شيء وأسكت، لين صار يشوف بيتي كأنه استراحة لأهله بأي وقت.
هالمرة اتصل عليّ قبل المغرب بنص ساعة وقال: «جهّزي القهوة، أنا بالطريق ومعي أمي وأخواني».
قلت له: «طيب، وش جايبين معكم؟»
ضحك وقال: «وش بنجيب يعني؟ إحنا جايين بيتنا!»
قفلت وأنا أطالع المطبخ، عندي أكل يكفي شخصين، وكنت من الصباح تعبانة وناوية أرتاح.
وصلوا، وسلّموا وجلسوا، وأمه التفتت عليّ وقالت: «ما شاء الله، شكلك ما كنتِ متوقعتنا اليوم».
ابتسمت وقلت: «إيه والله، لو أدري من بدري كان رتّبت لكم شيء يليق فيكم».
زوجي طالعني بنظرة معناها اسكتي، ثم قال لأمه:
«لا يا أمي، هي دايم كذا، ما تقصّر».
هنا قررت ما أجادل قدامهم.
حطّيت الموجود على السفرة، وجلست معهم، ولما خلصوا قام زوجي يساعدني في رفع الصحون، وهو يضحك ويقول: «خلّيني أساعدك لا تقولين إني ما أوقف معك».
استغربت، لأنه طول زواجنا ما دخل المطبخ إلا إذا كان يبي شيء من الثلاجة.
لكن اللي صار بعدها هو اللي غيّر نظرتي للموضوع كله.
بعد ما مشوا أهله، قال لي وهو يلمّ الأكواب: «بصراحة، اليوم كنتِ ممتازة. أمي كانت متوقعة إنك بتتضايقين».
قلت له: «وليش ما قلت لها إنك أنت اللي عزمتهم فجأة؟»
سكت شوي، ثم قال: «ما أبي أطلع قدامهم إني ما أعرف أرتّب بيتي».
ضحكت من القهر وقلت: «يعني عادي أطلع أنا قدامهم إني مقصّرة، بس أنت لا؟»
رد بعصبية: «يا بنت الحلال، هذي أمي وأهلي، وش تبيني أسوي؟»
قلت له: «نفس اللي أسويه أنا مع أهلي. إذا جو فجأة، أتحمّل قراري أنا، وما أخليك تتحمّل شكلي قدامهم».
ثاني يوم، اتصلت عليه أمي وقالت إنها بتزورنا بعد يومين. قلت لها حياها الله، وقفلت.
لما قلت لزوجي، تغيّر وجهه: «يعني لازم يجون هالأسبوع؟ عندي شغل، والبيت مو مرتب».
طالعته وقلت: «غريبة، أمس كان بيتنا جاهز حتى لو ما كنا ندري إن أحد بيجي».
قال: «لا تقارنين أهلك بأهلي».
وهنا فهمت إن المشكلة مو في العزائم المفاجئة، ولا في الأكل، ولا حتى في تعب تجهيز البيت.
المشكلة إنه كان يشوف راحته وسمعته قدام أهله مسؤولية عليّ، لكن راحتي أنا قدام أهلي مسؤولية تخصّه هو.
قبل كم شهر، كنت طالعة من مستشفى بعد زيارة لأمي، وشفت بنت جالسة عند الباب، لابسة عبايتها وحاضنة شنطتها، وكل شوي تطالع الساعة.
قربت منها وقلت: «حبيبتي، تنتظرين أحد؟»
قالت: «لا، بس أنتظر السيارة».
قلت: «من متى وأنتِ هنا؟»
قالت وهي تبتسم: «شوي».
ما أدري ليه حسّيت إنها مو صادقة، خصوصًا إنها كانت كل شوي تفتح جوالها وتقفله.
قلت لها: «طيب، تبين أوصّلك إذا طريقك من طريقي؟»
ترددت وقالت: «والله ما أبي أتعبك».
ضحكت وقلت: «يا بنتي، لو ما أبي أوصّلك ما سألتك».
ركبت معي، وبالطريق سألتها وين تدرس، قالت إنها متخرجة من الثانوي وتنتظر قبول الجامعة.
قلت لها: «أجل إجازة وراحة الحين؟»
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: «أي راحة؟ أداوم في كوفي من العصر لين الليل».
استغربت: «ليش؟ توّك متخرجة، خذي لك فترة ترتاحين».
قالت: «ودي والله، بس جدتي معي بالبيت، وأنا اللي أخلص لها أغراضها وأساعدها».
ما حبيت أضغط عليها بالأسئلة، لكن يوم وصلنا الحي، طلبت مني أوقف عند بقالة صغيرة.
قالت: «لو سمحتي، انتظريني دقيقتين».
نزلت، ورجعت معها كيس فيه حليب وخبز وأغراض بسيطة.
يوم ركبت، لاحظت إنها تعدّ الفلوس اللي بقيت معها، وتحطها في ظرف صغير داخل شنطتها.
سألتها: «تجمعين فلوس لشيء معين؟»
قالت بعد تردد:
«إيه، أبي أشتري لابتوب قبل الجامعة، عشان ما أضطر أطلب من أحد».
والله إن كلامها أثر فيني.
قبل تنزل، عطيتها رقمي وقلت: «إذا احتجتي شيء، كلميني، لا تستحين».
قالت: «الله يسعدك، بس أنا الحمد لله متدبرة أموري».
ومشت.
بعد أسبوع تقريبًا، اتصلت عليها أطمن، وردت عليّ وهي تلهث.
قلت: «وش فيك؟»
قالت: «توني طالعة من الدوام، وبكرة عندي موعد قبول، ولازم أروح من بدري».
قلت: «أجل وش رايك أوصّلك؟»
رفضت بالبداية، لكني أصريت.
يوم جاء الموعد، رحت معها، وجلست أنتظرها لين خلصت.
طلعت ووجهها متغير.
قلت: «بشّري، وش صار؟»
قالت: «انقبلت مبدئيًا، بس باقي أكمّل الإجراءات».
فرحت لها من قلبي، وقلت: «الحمد لله! أجل بنحتفل اليوم».
ضحكت وقالت: «خليني أول أتأكد إن كل شيء تم، بعدها أفرح».
مرت الأيام، وصرت أطمن عليها بين فترة وفترة. وفي يوم، اتصلت عليّ جدتها من رقمها، وصوتها يرتجف.
قالت: «يا بنتي، تكفين كلميها، من أمس وهي تقول بتترك الجامعة».
حسّيت قلبي طاح.
اتصلت عليها أكثر من مرة، لين ردت.
قلت لها: «وش السالفة؟ ليه بتتركين الجامعة؟»
سكتت طويل، ثم قالت: «الكوفي عطوني دوام أطول، وإذا رفضت بيستغنون عني. وأنا ما أقدر أخسر الراتب، جدتي ما لها بعد الله إلا أنا».
قلت: «طيب والجامعة؟»
قالت بصوت مكسور: «أجلها سنة، يمكن تتيسر».
ما قدرت أستوعب إن بنت تعبت واجتهدت لين وصلت لباب حلمها، وتتركه عشان تختار بين دراستها ومصاريف بيتها.
قلت لها: «اسمعيني، لا تتخذين قرار وأنتِ مضغوطة. خلينا نشوف وش الخيارات اللي قدامك».
بدأنا نسأل عن خيارات الدعم الطلابي، ونرتب معها طريقة تقدر توازن فيها بين الدراسة والعمل، بدون ما نعطيها وعود ما نقدر نضمنها.
وبعد فترة، اتصلت عليّ.
أول ما رديت، قالت: «أبشّرك، ضبطت أموري، وبكمل دراستي».
فرحت لها، لكن اللي قالته بعدها خلاني أسكت.
قالت: «تدرين وش أكثر شيء كان يخوفني؟ مو إني أفشل… كنت أخاف أتعب كل هالتعب، وبالأخير أضطر أتنازل عن حلمي عشان أقدر أعيش».
ومن يومها وأنا أفكر فيها.
فيه بنات بعمرها كل اللي يشغل بالهم وش التخصص اللي يحبونه، وفيه بنات لازم قبل يختارون مستقبلهم يحسبون حساب إيجار البيت، ومصاريف جدتهم، والراتب اللي ممكن ينقطع بأي لحظة.
ومع ذلك، للحين يحاولون.
من شهرين، صار ولدي يرفض يطلع من المدرسة مع السواق، ويصر إني أنا اللي أجي آخذه بنفسي.
عمره 8 سنوات، وكل يوم إذا وصلت متأخرة 10 دقايق، ألقى الحارس واقف معه عند البوابة.
كنت أشتغل في مستشفى، وأحيانًا تجيني حالات طارئة ما أقدر أتركها، فكنت أعتذر للحارس وأشكره على انتظاره.
قبل أسبوع، اتصلت علي مديرة المدرسة وقالت:
«لازم نناقش موضوع ولدك. صار يتأخر عن الانصراف بشكل متكرر، والحارس ما يقدر يظل بعد نهاية دوامه كل يوم».
اعتذرت ووعدتها إني أرتب أموري.
لكن أمس، وصلت المدرسة ولقيت المديرة تنتظرني عند البوابة.
قالت بجدية:
«إذا تكرر الموضوع، بنضطر نتواصل مع الجهة المختصة، لأن الطفل ما يصير يظل هنا بعد انتهاء الدوام».
كنت على وشك أشرح لها إن تأخيري خارج عن إرادتي، لكن الحارس اللي كان واقف قريب منا تدخل وقال:
«أستاذة، ممكن أتكلم؟»
التفتت له وقالت:
«تفضل».
طالع فيني، ثم قال:
«الأم مو هي المشكلة».
المديرة عقدت حواجبها:
«أجل وش تقصد؟»
قال:
«ولدها من شهرين وهو يطلب مني أخليه آخر واحد يطلع من المدرسة».
التفتّ عليه مصدومة:
«وش؟ ليه ما قلت لي؟»
نزل الحارس عيونه وقال:
«لأنه طلب مني ما أقول لك».
حسيت قلبي انقبض.
المديرة طلبت منه يوضح أكثر، فبدأ يحكي.
قال إنه لاحظ ولدي كل يوم يراقب بوابة المدرسة، وإذا شاف أمهات الطلاب يمشون مع عيالهم، يرجع يجلس على الدرج بدل ما يطلع.
وفي يوم، سأله الحارس:
«يا ولدي، ليه ما تروح مع السواق؟»
رد عليه:
«إذا رحت بدري، ما راح أعرف إذا أمي بتجي اليوم أو لا».
الحارس استغرب وقال:
«أمك تجيك كل يوم، وش اللي مخوفك؟»
لكن الولد ما رد.
وبعدها بأيام، اكتشف الحارس السبب الحقيقي.
كان ولدي ينتظرني عند البوابة كل يوم، وإذا تأخرت، يبدأ يتخيل إني تعرضت لحادث في المستشفى مثل الحالات اللي كنت أحكي عنها قدامه.
وفي يوم تأخرت فيه قرابة ساعة بسبب حالة طارئة، انهار الولد بالبكاء، وقال للحارس:
«إذا أمي ماتت في المستشفى، مين بيقول لي؟»
الحارس قال إنه جلس معه لين هدي، ووعده إنه ما راح يخليه لحاله إذا تأخرت، لكنه طلب منه ما يقول لي لأنه كان خايف إني أزعل منه.
ما قدرت أتكلم.
كنت أحسب إن ولدي متعلق فيني زيادة، وما كنت أدري إنه يعيش كل يوم بخوف ما أعرف عنه شيء.
لكن الحارس ما خلص كلامه.
قال للمديرة:
«فيه شيء ثاني لازم تعرفونه».
وبعدها فتح درج صغير عند غرفة الحراسة، وطلع منه دفتر.
كان فيه جدول بأيام تأخيري، وبجانب كل يوم ملاحظة كتبها الحارس.
مرة كتب: «اليوم أكل بسكوتي لأنه نسي وجبته».
ومرة: «جلس يسألني كل شوي إذا شفت سيارة أمه».
وفي آخر صفحة، كانت فيه جملة مكتوبة بخط ولدي:
«عمي، إذا أمي ما جت يوم، لا تخليني أروح مع أحد ثاني. أبي أنتظرها هنا».
وقفت مكاني وأنا أحاول أمنع دموعي.
المديرة سكتت فترة، ثم قالت للحارس:
«كان المفروض تبلغنا من البداية، مو تتحمل الموضوع لحالك».
رد عليها:
«أدري، وأنا غلطان. بس كل يوم كان يخاف أكثر، وما كنت أقدر أتركه يواجه خوفه لحاله».
في النهاية، اتفقنا مع المدرسة على خطة واضحة إذا اضطررت أتأخر، وصار فيه شخص محدد يتولى رعايته إلى أن أوصل.
وأنا راجعة معه للسيارة، مسك يدي وسألني:
«ماما، لو تأخرتي بكرة، بتجين برضه؟»
جلست على ركبتي قدامه وقلت:
«حتى لو تأخرت، أنا ما أتركك. وإذا صار شيء، بتعرفه مني، مو من خوفك».
حضنني بقوة.
ومن يومها، صرت أقول له قبل ما أطلع للدوام وش ممكن يصير، ومين يقدر يساعده لو تأخرت.
لكن أكثر شيء وجعني إني كنت أشوف الحارس كل يوم، وأشكره لأنه ينتظر ولدي، ولا مرة سألت نفسي ليه ولدي يحتاج أحد يطمنه كل هالوقت.
كنت أظن إني أم مقصرة لأني أتأخر عن المدرسة، لكني ما كنت أعرف إن ولدي كان يعيش أسوأ نصف ساعة في يومه، مو لأنه ينتظرني… بل لأنه يخاف ما أرجع.
كنت أحسب إني أعرف أسوي مكرونة بالطماطم، لين ذقت مكرونة سوتها لي وحدة إيطالية، وخلّتني أكتشف إني كنت أعقّد أبسط أكلة في الدنيا.
أول لقمة خلتني أسألها:
«لحظة، وش حاطة فيها؟ كريمة؟»
ضحكت وقالت:
«كريمة؟ عشان مكرونة بالطماطم؟ تعالي شوفي.»
دخلتني المطبخ، وطلّعت 3 أشياء بس:
طماطم، زبدة، وبصلة.
قلت لها: «طيب والثوم؟ والبهارات؟»
قالت: «ما تحتاج.»
حطّت الطماطم في قدر واسع وهرستها شوي، ثم أضافت الزبدة والبصلة المقسومة نصين ورشة ملح.
وتركتها على نار هادئة.
بعد 10 دقايق، سألتها:
«ما راح نضيف شيء ثاني؟»
قالت وهي تحرّك الصلصة:
«إذا كل شوي بتضيفين شيء، كيف بتعرفين طعم المكونات الأصلية؟»
تركت الصلصة تطبخ حوالي 45 دقيقة، وكل ما لانت الطماطم هَرَستها شوي.
مع الوقت، الزبدة اندمجت مع الطماطم، والصلصة صارت غنية ولامعة، كأنها فعلًا فيها كريمة.
وقبل ما تجهز، شالت البصلة ورمتها.
استغربت وقلت:
«يعني حطّينا البصل كل هالوقت وبعدين بنرميه؟»
قالت:
«البصل مو لازم تحسين بوجوده عشان تستفيدين منه.»
سلقت المكرونة، واحتفظت بكوب من موية السلق، ثم قلّبتها مع الصلصة وشوي من الموية لين تغلّفت كل قطعة فيها.
وفي النهاية، بشرت فوقها جبن بارميزان.
جلست آكل، وكل شوي أقول لها إن الطعم مو طبيعي.
قالت لي:
«المشكلة إنكم تستعجلون على الأكل، وبعدين تحاولون تصلحون طعمه بإضافات أكثر.»
ومن يومها، صرت أسوي المكرونة بطريقتها.
لا كريمة، ولا ثوم، ولا خلطات جاهزة.
بس طماطم وزبدة وبصل، و45 دقيقة من الصبر.
والغريب؟ كل ما سويتها لأحد، أول سؤال يجيني:
«وش نوع الكريمة اللي استخدمتيها؟»
قبل أسبوع، جتني جارتي الساعة 2 بالليل، تدق باب شقتي وهي تبكي. وأول ما فتحت لها، قالت لي:
«إذا سألك زوجي بكرة، تكفين قولي إنك ما شفتيّني عندك الليلة».
وقفت مصدومة، وقلت لها: «وش صار؟»
قالت: «زوجي عرف إني كلمت أختي عن المشاكل اللي تصير بيننا، وأخذ جوالي، ويقول إذا تدخل أحد بيننا بيخليني أندم طول عمري».
دخلتها وجلستها عندي، وكانت ترتجف كل ما سمعت صوت المصعد.
بعد حوالي عشر دقائق، سمعت باب شقتهم ينفتح، وصوت زوجها ينادي اسمها في الممر.
قامت من مكانها بسرعة، وقالت لي:
«تكفين، لا تقولين له إني هنا».
دخلتها غرفة الضيوف، ورحت أفتح الباب لجاري.
كان هادئًا بشكل يخوف، وسألني:
«معليش، زوجتي عندك؟»
قلت له إني ما شفتها.
طالع فيني لثوانٍ، ثم قال:
«أنا أدري إنها عندك، بس أبيك تعرفين إن هذي مشاكل زوجية، وأي أحد يدخل بيننا بيتحمّل نتيجة تدخله».
ومشى.
رجعت لجارتي، وقلت لها إن لازم نطلب المساعدة، وإن ما يصير تعيش في خوف كل يوم.
لكنها انفجرت بالبكاء وقالت:
رجعت من الدوام، ولقيت بنتي عمرها 15 سنة فاتحة درج التسريحة وتجرّب عطوراتي ومكياجي مع صديقتها.
قلت لها بهدوء: «حبيبتي، هذي أغراضي، إذا تبين شي استأذني مني.»
صديقتها ضحكت وقالت: «يا خالة، وش هالبخل؟ كلها أغراض!»
سكتُّ وقتها، مو عشان كلامها ما ضايقني، لكن عشان ما أبي أحرج بنتي قدام صاحبتها.
بعد ما راحت صديقتها، قلت لبنتي إن اللي صار ما عجبني.
ردّت عليّ بعصبية:
«أنتِ أصلًا ما تخليني أستخدم أي شيء عندك! كل شيء عندك ممنوع!»
قلت لها: «لأن هذي أغراضي، ومن حقي أحدد وش أسمح لك تستخدمين.»
فجأة راحت لغرفتها وقفلت الباب.
بعد دقائق، سمعت صوت شيء يطيح.
دخلت، ولقيتها سحبت درج المكياج كامل ورمته على الأرض، وبعض العلب انكسرت، وعطر جديد كنت شاريته قبل يومين انكب على السجاد.
صرخت فيها: «أنتِ وش سويتي؟!»
ردّت وهي تبكي:
«أنتِ اللي عصبتيني! كل شيء يصير بسبتك!»
وأنا أحاول أجمع الزجاج من الأرض، جرحت إصبعي، وزاد قهري لما شفت أغراضي اللي جمعت قيمتها من راتبي تتلف قدامي.
دخل أبوها، ولما عرف السالفة، بدل ما يوقفها عند حدها، قال لي:
«كبّري عقلك، هذي طفلة، والمكياج يتعوّض.»
طالعت فيه وقلت:
«طيب، إذا يتعوّض، ليش ما تشتري لي غيره من راتبك؟»
سكت.
وبعدها قال لبنتنا: «روحي اعتذري لأمك.»
جتني بعد شوي، وقالت: «آسفة.»
لكنها قالتها وهي تطالع الأرض، وكأنها تبي تخلص من الموضوع وبس.
اللي قهرني مو قيمة المكياج، ولا حتى العطر اللي انكب.
اللي قهرني إني طول اليوم أشتغل وأرتّب وأهتم بالبيت، ولما طلبت من بنتي تحترم أغراضي، صرت أنا الأم المعقدة اللي ما تعرف تتعامل مع عيالها.
والأغرب إن أبوها يبي مني أعدّي الموضوع، وكأن الاعتذار يمسح كل شيء.
الحين أبي رأيكم بصراحة: إذا بنتك كسرت أغراضك عمدًا وقت الغضب، هل تعاقبها وتخليها تتحمل قيمة اللي خربته، أو تعتبرها صغيرة وتسامحها لأنك أمها؟

