Pinned Tweet
قناة الشيخ عبد الله الخليفي، المصدر الأساسي لما ينشر هنا في الحساب، ويمكنك البحث فيها عن شتى المواضيع 👇
T.me/alkulife
من هؤلاء الضحايا نساء وأطفال، منذ حصلت الحادثة في الأردن ونحن نرى تصعيداً في الخطاب وحنقاً لمجموعة من الناس وكأنهم وجدوا فرصة وحديث عن أمور زائدة على إدانة الجريمة؛
فمن أخذنا لجدل حول الترحم على النصارى وتلك الباقعة التي أطلقها المفتي في أن من لا يترحم متطرف،
ومن قراءة فاتحة على أرواح نصارى لا يؤمنون بثواب الفاتحة ولا منزل الفاتحة،
ومن تتبع للمنشورات وتدقيق هل استخدم المتكلم لفظ ( نصارى ) أو ( مسيحيين )،
ومراجعة خطاب المساجد في الأردن ( مع أن المنفذين ظهر أنهم ليسوا من الأردن باعتبار الرواية الرسمية )،
وأمور أخرى يطول ذكرها.
ويحدثك عن دولة المواطنة، وأنه لا مكان للحديث عن معاهد أو مستأمن.
دولة المواطنة لا يوجد فيها ( شهداء )، هذا مصطلح شرعي، دولة المواطنة يوجد فيها ( ضحايا )، ولا يوجد فيها ترحم وقراءة فاتحة هذه كلها معاني دينية.
فأنت تستحضر الدين إذا أردت، وإذا كلمك شخص في الدين قلت: "هذه دولة مواطنة"!
كنا خائفين من فتنة طائفية وإذا بالاحتقان ( الوطني ) قد يؤدي إلى فتنة بين بلدين شقيقين بكل طوائفها.
رحم الله قتلى درعا الأبرياء.
وكلنا ثقة أن العقلاء من البلدين سيدرأون الفتنة، ولا داعي للانجرار وراء احتقانات لحظية في مواقع التواصل.
وينبغي الاعتذار للأبرياء الذين قضوا في درعا وتعويض ذويهم.
وليحدثنا مفتي الأردن عن دية قتل الخطأ، فحديثه في هذا لن يكون فاجعاً، وسيكون يؤدي دوره الذي ينبغي في بيان الأحكام الشرعية.
تعليق على رد عدنان إبراهيم على دان جيبسون. وكانت بتاريخ ٢٦ / ٠١ / ٢٠١٨
كيف لو رأوا من يترحم على الكافر ويصلي عليه؟
هناك فروع فقهية في الكتب المذهبية، في كتاب الردة، تتعلق بألفاظ يقولها المسلم للكافر، فيُفهم منها أنه يرضى بالكفر أو يحثُّه على البقاء كافرًا.
وتجد هذه العبارة إما يتفقون على تكفير قائلها، أو يختلفون، مع اتفاقهم على أن ذلك منهي عنه.
جاء في «لوامع الدرر في هتك أستار المختصر» لمحمد المجلسي الشنقيطي المالكي (13/343): "ولو قال لكافر: أماتك الله على ما تختار، فالظاهر أنه إن قال له ذلك في خصومة بينهما وفي صنعه له شيئا معيبا فلا يكفر بذلك، وأما على غير ذلك كدعائه له مكافأة على إحسان فعله به فإن الذي يظهر أنه يكفر لأنه رضي بالكفر. انظر الرهوني. والله تعالى أعلم".
هنا يرجِّح أنه لو قال لكافر: أماتك الله على دينك، في حال رضا، أنه يكفر؛ لأنه مقرٌّ بالكفر، راضٍ به، حاثٌّ للكافر عليه.
وجاء في «كفاية النبيه» لابن الرفعة الشافعي (16/340) نقلًا عن المتولي: "وكذا لو سأله كافر يريد الإسلام أن يلقنه الشهادة، فلم يفعل، أو أشار عليه بألا يسلم، أو على مسلم بأن يرتد - فهو كافر؛ للرضا بالكفر، بخلاف ما لو قال للكافر: لا رزقه الله الإيمان، أو لمسلم: سلبه الله الإيمان؛ لأنه ليس رضا بالكفر، لكنه دعا عليه بتشديد العقوبة".
وفي «النجم الوهاج» للدميري الشافعي (9/81): "وفي كتب الحنفية: من قال: لو أعطاني الله الجنة ما دخلتها.. كفر، وكذا من قرأ القرآن على دُف أو قصب أو على الإيقاع.. كفر".
ولم أجد هذا النقل فيما بين يدي من كتب الحنفية، وهذه العبارة تشبه في القبح عبارة من يقول: "الجنة التي ليس فيها فلان لا تلزمني أو لا أريدها".
والعبارات الأولى جامعها أن فيها إقرارًا للكفر وإغراءً للكافر أن يبقى على كفره، ويشترك معها في المعنى الترحم على الكفار، والصلاة عليهم، وطلب الجنة لهم؛ فذلك يغريهم بالبقاء على دينهم.
وما بعث الله الرسل، وما أُنزِلت الكتب، بل ما خُلِقت الخليقة، إلا لعبادة الله عز وجل وتوحيده، وكل ما سوى ذلك تبع.
وكل كافر على وجه الأرض، وإن عمل خيرًا، إلا أن اعتقاده بعدم الإيمان باليوم الآخر، أو أن هناك إلهًا صُلِب فحمل ذنوب الناس، أو غيرها من العقائد الفاسدة، كل هذه العقائد تحثُّ الناس بشكل ضمني على الشر؛ لأنها أخفُّ عليهم من الاعتقاد السليم أننا راجعون إلى الله، وأنه سائلنا عن كل شيء، وأن حقه سبحانه فوق كل حق.
وقال القرافي في «الفروق» (4/260)، وهو يعدد صور الدعاء التي تكون كفرًا: "فالذي ينتهي للكفر أربعة أقسام: (القسم الأول) أن يطلب الداعي نفي ما دل السمع القاطع من الكتاب والسنة على ثبوته وله أمثلة:
(الأول) أن يقول اللهم لا تعذب من كفر بك أو اغفر له، وقد دلت القواطع السمعية على تعذيب كل واحد ممن مات كافرا بالله تعالى لقوله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء: 48] وغير ذلك من النصوص فيكون ذلك كفرا؛ لأنه طلب لتكذيب الله تعالى فيما أخبر به وطلب ذلك كفر فهذا الدعاء كفر.
(الثاني) أن يقول اللهم لا تخلد فلانا الكافر في النار، وقد دلت النصوص القاطعة على تخليد كل واحد من الكفار في النار فيكون الداعي طالبا لتكذيب خبر الله تعالى فيكون دعاؤه كفر".
- هذا النقل استفدته من بعض الإخوة -
بداية سورة العنكبوت وآخرها في خطبة ابن الزبير
جاء في موطأ مالك: "3341- عن زياد بن سعد، عن عمرو بن دينار؛ أنه قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول في خطبته: إن الله هو الهادي والفاتن".
بالأمس، وأنا أقرأ سورة العنكبوت، تذكرت هذا الأثر، ففي بدايتها: {ألم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}.
تأمل قوله تعالى: {يفتنون}، هنا اسم الفاتن الذي ذكره ابن الزبير.
وفي آخرها قوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}.
تأمل {لنهدينهم}، هنا اسم الهادي.
غير أنه سبحانه قال: {لنهدينهم}، ولم يقل: (يُهدَون)، كما قال: {يفتنون} دون تسمية الفاعل أو نسبة الفعل للمتكلم، وذلك أن الفتنة فيها معنى الاختبار، لا أنها الإضلال خاصة كما ظنه بعض المتأخرين، والاختبار عنده ترتعد الفرائص وترتجف القلوب، فجاء قوله سبحانه: {لنهدينهم} مطمئنًا، وفيه توكيدات تزيد الطمأنينة.
فجاءت لام القسم، وهي من المؤكدات، فلم يقل: (نهديهم سبلنا)، بل قال: {لنهدينهم}، والنون الزائدة في {نهدينهم}، وأصلها (نهديهم)، تفيد التوكيد، إذ إنها نون التوكيد أيضًا، وما زاد في مبناه زاد في معناه.
ثم قوله: {وإن الله لمع المحسنين}، فهذا كقولك، ولله المثل الأعلى: (سأعينك في اختبارك)، وجاء فيها توكيد.
ورأس المجاهدين المحسنين جد ابن الزبير، أبو بكر الصديق رضي الله عنهم.
فهو الذي نزل فيه قوله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} [النور: 22].
وذلك في إحسانه لمسطح بن أثاثة في القصة المعروفة.
ونزل فيه قوله تعالى: {وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18) وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ولسوف يرضى}.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نفعني مال أحد ما نفعني مال أبي بكر».
وظهرت معالم الهداية في ثباته عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حروب الردة، وما وقع له من توفيق عظيم في الحادثتين.
وقوله سبحانه: {سبلنا}، وسبيل الحق واحد، كأن فيه إشارة إلى أبواب الخير أو أبواب الجنة، وأيضًا هذا يذكر بالصديق، فهو الذي يُدعى من أبواب الجنة كلها.
قال البخاري في صحيحه: "2841- حدثني سعد بن حفص، حدثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله، دعاه خزنة الجنة، كل خزنة باب: أي فل هلم"، قال أبو بكر: يا رسول الله، ذاك الذي لا توى عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأرجو أن تكون منهم»".
وقوله: «لا توى عليه» يعني لا خوف عليه ولا ضياع، وهذا معنى الطمأنة المستفاد من قوله تعالى: {وإن الله لمع المحسنين}.
فتدبر.
جاء في مقال «حديث في التوحيد في غير مظانه»:
«كل من يستغيث بميت هو مثبت له علم الغيب ضرورة، وليس هذا مناط الحكم بالشركية الوحيد، ولكنه أحد الأوجه.
فإن الميت غائب غير حاضر ضرورة، فنداؤه يقتضي اعتقاد أنه يعلم الغيب، ولا مخرج من هذا إلا بادعاء حضورهم في كل زمان ومكان، وهذا أعظم شركية، أو بدعوى أن الله أعطاهم هذه القدرة، ولو ادعى مدعٍ أن الأصنام هياكل لأرواح الصالحين التي فيها هذه القدرة لما كانت دعواه أبعد عن القبول من دعوى من يدعي هذا في القبور والمقبورين.
وسبحان الله رب العالمين، بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، فيتركونه ويكون كل همهم الاستغاثة بالأموات، وهم الذين يصلون على النبي وآله ويعلمون أن الله عز وجل يسمع هذه الصلاة ويؤجر عليها، ثم يتبعون هذه الصلوات التي هي دعاء للنبي وآله بدعائهم، ويختفي ذكر الله عز وجل.
ولو نظرت في استغاثاتهم وما يقولونه في أهل البيت والأولياء وحذفت أسماء الأولياء وجعلت مكانها اسم الله لاستقام الكلام.
وهنا يظهر الفرق بين التوسل بصالح — وهو غير مشروع ولكن لا يصل للشرك — كقولك: اللهم أسألك بحق فلان، هنا الدعاء لله وإنما المخلوق متوسل به، وأما دعاء غير الله كقولهم: مدد يا فلان، يا فلان انصرني، فهنا اختفى ذكر الله تمامًا».
ثم نقل من كتاب «التوحيد» للصدوق عن الصادق:
«الله هو الذي يتأله إليه عند الحوائج والشدائد كل مخلوق عند انقطاع الرجاء من كل من هو دونه، وتقطع الأسباب من جميع ما سواه... المغيث إذا استغيث، والمجيب إذ دعي».
وفيه أنه سأل رجلًا:
«هل ركبت سفينة قط؟ قال: نعم. قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟ قال: نعم. قال: فهل تعلق قلبك هنالك أن شيئًا من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك؟ فقال: نعم. قال: فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث».
قال الشيخ الخليفي:
«فهنا معصومهم يعرِّف رب العالمين بأنه الذي يستغاث به عند انقطاع الرجل من كل أحد، وعليه: فإن من استغاث بغيره في الملمات التي ينقطع فيها الرجاء من كل الأسباب الحسية فقد جعله شريكًا لله عز وجل، وهذا صريح القرآن: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون}».
عبد الله بن فهد الخليفي
من مقال: «حديث في التوحيد في غير مظانه» باختصار
٩ ذو القعدة ١٤٤٠هـ
❞والعامي من الموحدين يغلب ألفاً من علماء هؤلاء المشركين❝.
إمام الدعوة الإصلاحية، محمد بن عبدالوهاب، رحمه الله.
#مرتضى_منصور
#الزمالك
الكنيسة الأرثوذكسية المصرية: فكرة اللاطائفية فكرة لا عقلانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإن الكنيسة الأرثوذكسية المصرية هي أشهر الكنائس العربية، وقد حصل لهم غزو من البروتستانت، الحركة الإصلاحية، وهم من يُسمى بالإنجيليين، وقد تأثر بهذه الدعوة كثيرون؛ لأنها دعوة آتية من الغرب، إذ إن الإنجيليين هم غالبية النصارى في أمريكا.
وقد انبرى المدافع الشرس عن الكنيسة الأرثوذكسية في مصر حلمي القمص يعقوب للرد عليهم، وبيان أن كنيستهم ليست بحاجة لحركة إصلاح، وذلك من خلال كتاب أسماه «يا إخوتنا البروتستانت، هلموا نتحاور».
وقد بنى كتابه على عدة أفكار رئيسية، أولها:
أن الوضع الأوروبي مختلف عن وضع مصر، وأن الكنيسة الأرثوذكسية مختلفة عن الكنيسة الكاثوليكية التي ثار عليها مارتن لوثر؛ فكنيسة مصر لا علاقة لها بالسياسة، ولم تدخل الدين على الدولة، كما أنها لم تصنع صكوك غفران، ولم تخض حروبًا باسم الكنيسة، وما أحرقت أحدًا حيًّا كما كان يفعل الكاثوليك.
ثم ذكر أن حركة الإصلاح الكنسي نفسها حصل منها تجاوزات كثيرة، وأنهم قتلوا ودمروا وأحرقوا، وأحدثوا الفتن العظام في أوروبا، مما مهد الطريق للعلمانية.
وأنهم إلى اليوم، بسبب طابعهم الاحتجاجي، مضرب مثل في كثرة الانقسامات؛ ففي مصر فقط لهم أكثر من خمسين كنيسة، كل واحدة تضلل الأخرى، وقد زارها حلمي واحدة واحدة، متعرفًا عليها وعلى مواطن الاختلاف بينها وبين الأخريات، وذكر أنه في أمريكا يوجد لهم أكثر من 400 كنيسة، لكل واحد منهج مختلف.
وقد ذكر في مقدمة الجزء الثاني ما يلي:
«واسمح لي يا صديقي أن أنقل لك أحاسيسي قبل كلماتي.. فبينما أجول من مكان إلى آخر، وأنتقل من طائفة إلى أخرى، كنت أتجرع مرارة العلقم.. فها الحسرة تحسرني، والدوار يلفني، والغثيان يأخذ مني مأخذًا.. ما هذا..؟!
إنها مذاقة الانقسام.. انقسام الجسد.. جسد المسيح الواحد.. أيها الإنسان المسكين، هلا ذهبت تلتمس خلاصًا في بيت الانقسام..؟ وهل تطمع في السلام والهدوء والراحة لروحك المسكينة..؟ لن تجد إلا الحيرة والبلبلة والتيهان والصراعات الضارية وبرودة الموت والخراب.. عفوًا يا عزيزي، فهذه ليست تعبيراتي، ولكنها تعبيرات كبار قادة الكنائس الإنجيلية.. انظر إلى ما يقولون:».
ثم سرد كلامهم.
وحقيقةً لا تتعاطف كثيرًا مع الكنيسة الأرثوذكسية، فإن الكنيسة الإنجيلية تسجل عليها الرمي بالوثنية بسجودها لغير الله وغيرها من المحدثات.
وبعيدًا عن هذا كله، سأسجل اعترافًا هامًّا للكنيسة الأرثوذكسية تذكر فيه عدم إيمانها بمبدأ اللاطائفية، بل واعتباره لا عقلانيًّا، وقد ذكر هذا حلمي القمص يعقوب مقرًّا له.
جاء في رسالة إلى الإخوة البروتستانت «تعالوا لنتحاور» ما يلي:
صدر تحت هذا العنوان «بيان للشعب الأرثوذكسي» من كلية البابا كيرلس السادس اللاهوتية، والكلية الإكليريكية، في يونيو سنة 1962، جاء فيه:
«لا زال عدد من الأقباط الأرثوذكس الأبرياء يترددون على جمعيات خلاص النفوس، اعتقادًا منهم أنها جمعيات روحية تهدف إلى أغراض بحتة، وأنها على زعم قادتها جمعيات لا طائفية..!!
ونحن نعجب لأمر هذه الجماعة التي تصر على إنكارها لبروتستانتيتها، وتتستر تحت اسم لامع جميل هو "خلاص النفوس"!
لا شك أن غاية إيماننا المسيحي هو خلاص النفوس، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وهذه الغاية التي تعمل من أجلها كنيستنا الأرثوذكسية منذ إنشائها إلى اليوم.. لأنه إذا لم يكن خلاص النفوس هو غايتنا فباطل هو إيماننا، وباطل هو تعليمنا، وباطل هو سعينا وجهادنا في طريق الكمال المسيحي.. إذا لم يكن خلاص النفوس هو هدفنا وهدف الكنيسة الأسمى والأول، فلماذا دشنت الكنائس وأقيمت المذابح ورفعت القرابين..؟! ولماذا أقام الرب في الكنيسة خدامًا للكرازة والتعليم من أساقفة وقسوس وشمامسة..؟! ومهما يكن من أمر، فإن جمعيات خلاص النفوس تنادي بمبدأ هدام ومهلك، هو مبدأ اللاطائفية الأثيم.!
علينا تمشيًا مع منطق اللاطائفية أن نلغي من المسيحية كل عقائدها وكل طقوسها، ذلك لأن الكلام عن أي عقيدة مسيحية يجرح قومًا من المنطوين تحت لواء جمعية خلاص النفوس اللاطائفية..!
إن اللاطائفية مبدأ غير طبيعي؛ لأنه من غير المعقول أن لا يكون للإنسان عقيدة يؤمن بها ويدافع عنها، ويحيا بها وفيها ولها، ويمارس سلوكه طبقًا لها بشعوره الواعي أو باللاشعور، وحتى اللاطائفيون أنفسهم من جمعية خلاص النفوس لا بد أن تكون لهم عقيدتهم، حتى لو كانت هي اللاطائفية..؟!
واللاطائفية تقتل الصراحة في الحق والجرأة في الإيمان.
واللاطائفية.. تتطلب من الإنسان أن يطوي عقيدته في نفسه، ولا يجاهر بها ولا يدافع عنها، ويكتمها كأنها أمر مخجل يدعو إلى التخبئة والتستر.
واللاطائفية دعوة إلى مسيحية ناقصة.. إن جمعية خلاص النفوس تدعو الناس إلى التوبة أو إلى الخلاص كما تدعي، فهل تستطيع أن تشرح لأتباعها طريق الخلاص أو طريق التوبة..؟! إنها لا تستطيع.. لأنها إذا أبانت للخاطئ أن يمارس الاعتراف ويتقدم للتناول فقد وقعت في مأزق..! فإذا قالت إن الاعتراف يكون أمام الله فقط فقد نادت بعقيدة بروتستانتية.. وإذا قالت إن الاعتراف يكون على يد الكاهن أمام الله فقد نادت بالمبدأ الأرثوذكسي..! ولذلك فإنها تكتفي بكلام ناقص عن التوبة، وإن كان يعد كاملًا من وجهة النظر البروتستانتية.
ومما يؤكد بروتستانتية هذه الجماعة أن وعاظها ينادون في الناس أن يقفوا إذا كانوا قد خلصوا، فيقف من يقف ويبقى جالسًا من لم يخلص بعد..! وهو هو بعينه الأسلوب السائد عند بعض الطوائف البروتستانتية، والتي تنكره الكنيسة الأرثوذكسية وجميع الكنائس الرسولية التقليدية.
ولا يمكن لجمعية خلاص النفوس، تمشيًا مع منطق اللاطائفية، أن تتكلم عن التناول من الأسرار المقدسة؛ لأنها إن قالت إنه جسد الرب ودمه فقد أعلنت الحقيقة الأرثوذكسية، وإن قالت إنه رمز فقد كشفت عن بروتستانتيتها، ولذلك لا بد لها من أن تهرب، فلا تتكلم عن التناول مع أهميته وضرورته للحياة الروحية.
كما يستحيل على جمعية خلاص النفوس، تمشيًا أيضًا مع دعوتها اللاطائفية، أن تتكلم عن التقليد أو عن الصوم أو عن رسم علامة الصليب، ولا تستطيع أن تستخدم آيات الكتاب المثبتة لأي عقيدة أرثوذكسية، ولا يمكن أن تسمح لواعظ فيها أن يتكلم عن السيدة العذراء وفضائلها وبتوليتها الدائمة، وأنها والدة الإله، ولا يمكن أن يتناول في حديثه شيئًا عن الاتجاه إلى الشرق في الصلاة، ولا عن شفاعة القديسين التوسلية للأحياء وللراقدين، ولا يمكن أن يشير إلى الهيكل أو المذبح أو الحجاب، ولا للصور المقدسة، ولا إلى القداس. وبالإجمال، لا يمكن أن يعرض في حديثه جملة أو تفصيلًا لشيء من العقائد والطقوس، إنها في نظر اللاطائفيين رجس وشر يبعد الناس عن الخلاص..!!
ولعل أخطر من هذا كله أن يفهم الناس أنهم في غير حاجة إلى تلك العقائد والطقوس، وحينئذٍ تكون اللاطائفية قد جرتهم إلى عقيدة بروتستانتية من أعلى طراز..!
وأيًّا كان القول، فإن الأرثوذكسي لا يقبل أن يصير لا طائفيًّا أو مائعًا بين المذاهب..! ولا يسمح لنفسه أن يتستر وراء اللاطائفية، ولا يطيق أن يتنكر لعقيدته وإيمانه، ولا يستسيغ أن يفصل نفسه عن الأرثوذكسية الصريحة بجميع عقائدها وطقوسها وتقاليدها..!
إذًا فجمعية خلاص النفوس البروتستانتية بدعوتها اللاطائفية لم تخسر أو تفقد شيئًا.. أما الأرثوذكس الذين خدعوا بدعوتها، فهم الذين قد خسروا وخسروا كثيرًا جدًّا.. هي لم تخسر لأنها بروتستانتية.. وليس يضرها، بل ومن مصلحتها، أن تستبعد من مواعظها وممارستها كل العقائد الأرثوذكسية وكل الطقوس الأرثوذكسية؛ لأن ما سيبقى بعد ذلك هي العقائد البروتستانتية والطقوس البروتستانتية.
أتريد الدليل على أن جمعية خلاص النفوس لا تخسر شيئًا بدعوتها إلى اللاطائفية، وأن الأرثوذكس وحدهم هم الخاسرون.. تأمل اجتماعات هذه الجماعة.. تأمل صلواتهم وترانيمهم وأنغامهم في ترانيمهم.. تأمل كيف يبدأون اجتماعاتهم، وكيف يختتمونها.. تأمل ترتيب المكان الذي يجتمعون فيه.. تجده بروتستانتيًّا في تصميمه وفي كل ما يجري في داخله.. إنه مبنى لا طائفي بحسب دعواهم، ولكنه بروتستانتي حقًّا لا غش فيه.. ليس فيه هيكل أو مذبح، وليس له نظام بيت الرب أو الكنيسة.. ليس أرثوذكسيًّا.. ولا هو كاثوليكيًّا.. إنه بروتستانتي بالطبع.. فهل هو حقًّا لا طائفي كما يزعمون..؟ ألا ترى أنه طائفي من طراز بروتستانتي أصيل..؟!
أتريد الدليل على أن جمعية خلاص النفوس جمعية بروتستانتية وليست لا طائفية كما هي تدعي..؟ الدليل في مواعظهم وفي كتبهم التي يصدرونها ونشراتهم التي يوزعونها.. إنها مؤلفات بروتستانتية صحيحة في أسلوبها وفي صياغتها وفي منهجها وفي مفهوماتها، بل أيضًا في مصطلحاتها التي تعبر بها عن روحيات المسيحية.. إن كتاباتهم تكشف عن عقيدتهم وعن روحهم البروتستانتية التي تشبعوا بها.
هكذا نقول لأتباع جمعية خلاص النفوس: لستم لا طائفيين، إنكم بروتستانت.. فإن لهجتكم تظهركم وتدل عليكم.. مهما أنكرتم وأصررتم على الإنكار، فليست العبرة بدعواكم، ولكن بما تبطنون.. وما تبطنون تكشف عنه كتاباتكم ومواعظكم ولهجتكم في الحديث وفي الكتابة، وفي المصطلحات التي تستخدمونها.
ولتزعم جمعية خلاص النفوس ما شاءت أن الأرثوذكس يحضرون اجتماعاتها، فهل تستطيع أن تزعم أنها أيضًا تضم الكاثوليك مثلًا..؟ بالطبع أنها لا تجرؤ على هذا الادعاء، ولا يتبقى معها أو فيها إلا قليل جدًّا من البروتستانت، ومعهم عدد كبير جدًّا من أبرياء الأرثوذكس الذين لم يكونوا قبلًا عالمين بحقائق ديانتهم، واقفين على مبادئ كنيستهم، فاستهوتهم دعوة اللاطائفية الهدامة، ولو عرفوا لما قبلوا أن يتركوا كنيستهم وينطووا تحت لواء هذه الجماعة البروتستانتية المقنعة بقناع "اللاطائفية" المزعوم..!
هل تستطيع جمعيات خلاص النفوس أن تنكر الحقائق الآتية:
أولًا: أن الخدام الرسميين المعينين في جمعية خلاص النفوس وفروعها كلهم من البروتستانت..؟!
ثانيًا: أن الذين يديرون فعلًا جمعية خلاص النفوس كلهم من البروتستانت، إلا قلة مخدوعة من بين من يسمون أنفسهم بالأرثوذكس، وليسوا بأرثوذكس على الحقيقة.
ثالثًا: أن جمعية خلاص النفوس تعقد اجتماعاتها في المناطق الآهلة بالكنائس الأرثوذكسية.
رابعًا: أن جمعية خلاص النفوس تبذل جهودًا جبارة في افتقاد أولاد الكنيسة الأرثوذكسية في بيوتهم والإلحاح عليهم بضرورة حضور اجتماعات جمعيتهم.
خامسًا: أن الذين يُدعون إلى الوعظ في جمعية خلاص النفوس كلهم من البروتستانت.. أيها الأقباط، ليس لدينا أدنى شك على الإطلاق في أن جمعية خلاص النفوس جمعية بروتستانتية صحيحة، مهما تسترت بستار اللاطائفية الأثيم..! وليس لدينا أدنى شك في أن هدف جمعية خلاص النفوس هو محاربة الكنيسة الأرثوذكسية وإبعاد الأقباط عن كنيستهم بطريقة خادعة غير ظاهرة.
أيها الأقباط:
إن جمعية خلاص النفوس البروتستانتية تدعوكم بأسلوب ناعم أملس إلى أن تتركوا كنيستكم وتهملوا عقيدتكم.. فاحذروا هذه الجماعة، وافضحوا دعوتها.. واقطعوا شركتكم معها.. وامنعوا أولادكم وأقرباءكم وأصدقاءكم من حضور اجتماعاتها، وادرسوا عقيدة كنيستكم الأرثوذكسية، فهي كثيرة، وكونوا راسخين في إيمانكم الأقدس، واثبتوا على ما تعلمتم من الآباء ومعلمي الإيمان الأرثوذكسي المسلَّم للقديسين من رب المجد مخلّصنا يسوع المسيح».
وفي الموقع، عند سرد مجمل مخالفاتهم للبروتستانت:
«26- يؤمنون بحرية العقيدة وتنوعها:
فكل إنسان له الحق في أن يعتقد ما يشاء، ويعلم بما يشاء، وينشر ما يشاء من معتقدات، دون سلطة كنسية تمنعه، فهم لا يؤمنون بالسلطة الكنسية، ومن هنا نشأت عشرات المذاهب البروتستانتية، تختلف فيما بينها في كثير من العقائد، وإن كان يضمها إطار عام في بعض النقاط. ويقولون إن هذا لون من التعدد Plurality، يثري فكر الكنيسة! وكأنه لا يلزم أن يكون للكل إيمان واحد (رسالة أفسس 5:4)».
وهناك مقاطع كثيرة منتشرة تنص على عدم دخول بعض طوائف البروتستانت أو كلها للملكوت عند شنودة أو غيره من كبار قساوسة مصر، بل خذ هذه:
قال حلمي القمص يعقوب، وهو يخاطب أحد البروتستانت:
«م 10: تذكر أن جميع الأطفال حتى وإن كانوا غير مسيحيين فهم مختارون للملكوت (هل يمكن دخول الملكوت بدون الإيمان بالمسيح والمعمودية..؟)».
فهو هنا، باستنكاره، ينبه على عقيدته أنه بدون معمودية أو إيمان بالمسيح لا يمكن دخول الملكوت! حتى للأطفال، بل سمعت أحد كبار قساوستهم يقول إن الطفل الذي يموت قبل أن يُعمَّد لا يدخل الملكوت؛ لأن الخطيئة الأصلية لازمة له.
وذكر في لقائه مع قسيس الكنيسة الخمسينية:
س: وما رأيك في معمودية الأطفال..؟
ج: الحقيقة أن معمودية الأطفال غير صحيحة، لذلك الكنائس الإنجيلية في الخارج لا تعمد الأطفال.. أما الكنائس الإنجيلية في مصر فقد أخذت بما هو متبع في مصر، فعمدت الأطفال.. الأرثوذكس يقولون إن الطفل الذي يموت من غير معمودية يدخل الملكوت ولكنه يكون أعمى!! هذا تخريف؛ لأن المسيح يفتح أعين العميان، كما أن الأطفال أبرياء.. وفي الكنيسة الأرثوذكسية يعينون أشبين لكي يربي الولد، لا الولد يتربى ولا الإشبين أصلًا متربي».
ولم يعلق هو بشيء.
ميخائيل مكسي إسكندر: «120 سؤالًا وجوابًا عن أسرار الكنيسة السبعة»، الجزء الثاني، مكتبة المحبة، صـ31، 32.
[سـ118: لماذا يجب تعميد الأطفال، رغم أنهم يكونون قاصرين عن إدراك الإيمان كما يقول البعض؟
(1) ليس هناك نص كتابي يمنع تعميد الأطفال، بل يلزم تعميدهم في أقرب وقت ممكن، خوفًا من مرضهم وموتهم فجأة.
(2) وأنهم دون المعمودية لن يدخلوا ملكوت السماوات. فهي ضرورية للجميع، بدون استثناء، للخلاص. (مر 16: 16)، (يو 3: 5).
(3) إن الأطفال يرثون الخطية الجدّية مثل الكبار تمامًا.
(4) من التشابه بين الختان والمعمودية. وكان الختان علامة للدخول في عهد مع الله، وأن الطفل كان يُختن في اليوم الثامن من ميلاده، والختان رمز للمعمودية (كو 2: 11-13).]
وقال البابا شنودة الثالث: «اللاهوت المقارن» (الجزء الأول)، الكلية الإكليريكية للأقباط الأرثوذكس، صـ33:
[البروتستانت لا يُعمِّدون الأطفال، إصرارًا على لزوم الإيمان قبل المعمودية، واعتمادًا على قول الرب: «من آمن واعتمد خلص» (مر 16: 16)، وأيضًا اعتمادًا على أن الطفل لا يدرك ماذا يحدث في المعمودية. فكيف تتم المعمودية بدون إيمان وبدون إدراك؟! هذا رأيهم. أما نحن فنصر على معمودية الأطفال للأسباب الآتية: حرصًا منا على أبدية هؤلاء الأطفال؛ لأن الرب يقول: «إن كان أحد لا يولد من الماء والروح، لا يقدر أن يدخل ملكوت الله» (يو 3: 5)، فكيف يمكن أن نمنع عنهم العماد فنعرضهم لهذا الحكم الإلهي الذي لم يحدث أن الرب استثنى منه الأطفال حينما قال هذا.]
وبناء على ما مضى، لا نجد نصرانيًّا يتم سؤاله: هل تعتقد أن المسلم الذي يدافع عن بلدك يدخل الملكوت؟
ولا نجد أحدًا يسأل: هل تعتقد أن الخوارزمي والزهراوي وكل مخترعي المسلمين لن يدخلوا الملكوت؟
ولا نجد أحدًا يسألهم: هل تعتقد أن أطفال سورية الذين يُقتلون تحت القصف الروسي الذي باركته الكنيسة هناك سيدخلون الملكوت؟
وقد سئل الأنبا بيشوي عن الطوائف المسيحية الأخرى: هل تدخل الملكوت؟ فأجاب: «مش داخلين»، وهذا في تسجيل مشهور موجود على اليوتيوب.
وإن كان شنودة يجيب بأجوبة سياسية في هذا الباب، ومع ذلك هو كفّر شهود يهوه وقال: ليسوا مسيحيين.
وجاء في مؤتمر تثبيت العقيدة ما يلي:
«فما فائدة الكرازة المسيحية وتضحية الرسل بحياتهم؟ من أجل ماذا يكرزوا إذا كان الوثنيون وغير المؤمنين وغير المعمدين سوف يدخلون السماء؟ وما فائدة المسيحية؟ هذا تلاعب بالأفكار».
هذا، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
نداء عاجل إلى عموم كنائس الأردن!
استجابةً للحماسة العظيمة التي ظهرت في الأردن من طرف بعض رعايا الكنائس لتطوير (تحريف) فهم الإسلام، حتى لا يُمنع «مواطن» من دخول الجنّة بسبب معتقداته الدينيّة، حتى وإن خالف ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [سورة المائدة: 72]، أدعو من هذه المنصّة الإلكترونيّة الكنائس والطوائف النصرانية الإحدى عشرة المعترف بها رسميًّا في الأردن إلى البراءة من تاريخها الديني الذي شكّلته المجامع الكنسيّة الأولى، والذي تكرّر فيه الحكم على المخالفين من النصارى بالحرمان ἀνάθεμα (Anathema)، وهو في أغلب الأحيان: الحرمان من الجنّة، كما هو الحال مع آريوس، ومن ذلك مجمع نيقية الأوّل (325م) الذي قرّر حرمان من أنكر أزليّة يسوع أو قال إنّه مخلوق من الجنّة لأنّه مهرطق.
ولمّا كان المواطن الأردني المسلم أبعد عن عقائد هذه المجامع من مخالفي الكنيسة من داخلها، فإنّه يقول بالبشريّة الصرفة لعيسى عليه السلام، فقد وجب، بصورة عاجلة وبلا تردّد ولا تلعثم، إظهار البراءة من هذه المجامع وأحكام الأناثيما فيها، وإدانتها بالإقصائيّة، وإعادة صياغة مفاهيم الخلاص Soteriological Concepts بصورة لا تعترف بخصوصيّة الإيمان الكنسي.. فالجنّة للجميع!
في انتظار سقوط الأناثيما، علامةً على حسن النيّة منكم، قبل أن تسألوا المسلمين أن يغيّروا دينهم لتكون الجنّة بصكوك الغفران الشعبويّة!
رسالة إلى:
1. كنيسة الروم الأرثوذكس.
2. الكنيسة الكاثوليكية اللاتينية.
3. كنيسة الأرمن الأرثوذكس.
4. كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك.
5. الكنيسة الإنجليكانية (الأسقفية).
6. الكنيسة المارونية الكاثوليكية.
7. الكنيسة الإنجيلية اللوثرية.
8. كنيسة السريان الأرثوذكس.
9. كنيسة الأدفنتست السبتيين.
10. الكنيسة الخمسينية المتحدة.
11. الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
الحسن البصري والذب عن معاوية رضي الله عنه
قال أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة [٥/ ٣٦٨]: حدثنا شيبان، حدثنا أبو هلال، حدثنا قتادة، عن الحسن، قال: قلت: يا أبا سعيد، إن ناسًا يشهدون على معاوية وذويه أنهم في النار. قال: «لعنهم الله، وما يدريهم أنهم في النار».
ورواه الآجري في الشريعة [١٩٥٧] من طريق عبد الرحمن بن المبارك عن أبي هلال، وفيه: «عن قتادة قال: قلت للحسن». فبان أن السائل قتادة.
وأبو هلال الراسبي فيه لين، وقد تُكلّم في روايته عن قتادة خاصة. غير أنه لم ينفرد بهذا المعنى عن الحسن.
فقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق [٥٩/ ٢٠٦] من طريق ابن شاهين، بإسناده إلى بشر بن المفضل، عن أبي الأشهب، قال: قيل للحسن: يا أبا سعيد، إن ها هنا قومًا يشتمون - أو يلعنون - معاوية وابن الزبير. فقال: «على أولئك الذين يلعنون لعنة الله».
وأبو الأشهب جعفر بن حيان العطاردي ثقة من أصحاب الحسن، وبشر بن المفضل ثقة ثبت. وفي الإسناد إليهما الحسين بن أحمد بن بسطام، روى عنه ابن شاهين وغيره، ولم يُذكر فيه توثيق صريح.
فهذان مخرجان متباينان، قتادة من جهة وأبو الأشهب من جهة، يتفقان على أن الحسن كان ينكر الشهادة على معاوية بالنار وينكر لعنه.
وأما ما يُنسب إلى الحسن في ذمّه فلا يثبت منه شيء:
- خبر «أربع خصال كنّ في معاوية» من رواية أبي مخنف، وأبو مخنف متروك.
- وخبر «ويل لمن قتل حجرًا» في إسناده أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين، قال ابن عدي: كذّبوه.
- وخبر «أفسد أمر الناس اثنان» ذكره الذهبي معلّقًا، وفي إسناده زحر بن حصن، وهو مجهول.
- وحديث «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه» رواه عمرو بن عبيد عن الحسن، فقال أيوب السختياني: «كذب عمرو» [تاريخ دمشق ٥٩/ ١٥٧].
- وأما ما يتداوله بعضهم بلفظ: «أول من قطع أمر هذه الأمة معاوية، لأنه حين ولي أمرها جعلها ملكًا عضوضًا»، فلا يُعرف له إسناد ولا مصدر قديم.
فلا يترك ما جاء عن الحسن من طرق يشد بعضها بعضًا، ويتعلق بما رواه المتروكون والكذابون طعنًا في أصحاب النبي ﷺ، إلا من في قلبه مرض. نسأل الله السلامة والعافية.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
ثم إن القول بأن ولاية معاوية كانت مُلكًا ليس طعنًا فيه عند أهل السنة. قال ابن تيمية: «واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك؛ كان ملكه ملكًا ورحمة» [مجموع الفتاوى ٤/ ٤٧٨].
ومن جعل ذلك سبيلًا إلى الطعن فقد سبقه إليه قوم، وأجابهم الإمام أحمد. روى الخلال في السنة [٦٥٩] عن أبي الحارث قال: وجّهنا رقعة إلى أبي عبد الله: ما تقول رحمك الله فيمن قال: لا أقول إن معاوية كاتب الوحي، ولا أقول إنه خال المؤمنين، فإنه أخذها بالسيف غصبًا؟ قال أبو عبد الله: «هذا قول سوء رديء، يُجانَبون هؤلاء القوم، ولا يُجالَسون، ونبيّن أمرهم للناس».
وروى الخلال أيضًا [٦٩٠] عن الفضل بن زياد قال: سمعت أبا عبد الله، وسئل عن رجل انتقص معاوية وعمرو بن العاص، أيقال له رافضي؟ فقال: «إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ إلا له داخلة سوء. قال رسول الله ﷺ: خير الناس قرني».
وقال أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي: «معاوية ستر لأصحاب محمد ﷺ، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه» [تاريخ بغداد ١/ ٢٠٩، وتاريخ دمشق ٥٩/ ٢٠٩].
ولهذا أدخل أهل السنة الذب عن معاوية في كتب الاعتقاد. فعقد الخلال في السنة بابًا عنوانه «ذكر أبي عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان وخلافته». وفيه أن قومًا قالوا: لا نقول معاوية خال المؤمنين، فغضب أحمد وقال: «يُجفَون حتى يتوبوا». وأفرد الآجري في الشريعة كتابًا لفضائل معاوية، وأورد فيه أثر الحسن هذا.
وفي صحيح البخاري [٢٧٠٤] في خبر الصلح أن الحسن قال في معاوية: «وكان والله خير الرجلين»، يعني أنه خير من عمرو بن العاص لكراهته القتال.
#آثار_الصحابة #مناقب_الصحابة #الحسن_البصري #معاوية_بن_ابي_سفيان
هي أكثر الوحي فكيف نستهين بها؟
قال ابن تيمية -رحمه الله- في «شرح الأصبهانية»:
«والتحقيق أن الخبر يدل أيضًا على أنه متكلم، كما أن الأمر يدل على ذلك، والرسل يبلغون عنه تارة الأمر والنهي، وتارة الخبر؛ إما عن نفسه وإما عن مخلوقاته، فيبلغون خبره عن نفسه بأسمائه وصفاته، وخبره عن مخلوقاته بالقصص، كما يبلغون الخبر عن ملائكته وأنبيائه، ومن تقدم من الأمم المؤمنين والمكذبين، ويبلغون خبره عما يكون في القيامة من الثواب والعقاب، والوعد والوعيد، بل ما تبلغه الرسل من خبره أكثر مما تبلغه من أمره، والخبر في القرآن أكثر من الأمر».
تأمل قوله: «ما تبلغه الرسل من خبره أكثر مما تبلغه من أمره».
هذه العبارة الجليلة من الشيخ نحتاج أن نقف معها في هذه الأيام، فإن كثيرًا من الناس يستهينون بالأخبار الغيبية الواردة عن الله وملائكته ورسله وكتبه وخلق السماوات والأرض وغيرها من الأمور، بحجة أن هذه لا يترتب عليها عمل، فيكتفون فيها بالإيمان الإجمالي ويكرهون الإيمان التفصيلي.
ولا يفرقون بين الإيمان التفصيلي المستفاد من النصوص وفضول الكلام والمباحث الكلامية الفاسدة.
علمًا أن رد المباحث الكلامية الفاسدة هو من صيانة الإيمان.
وبعضهم إذا قرأ قول بعض أهل العلم في كراهية المسائل التي لا يترتب عليها عمل، يدخل في ذلك مسائل الغيبيات الكبرى التي تنازع فيها أهل الملة، وكفّر بعضهم بعضًا أو ضلّل بعضهم بعضًا، أو عموم مسائل الغيبيات التفصيلية، كمسائل الأسماء والصفات والقدر وما يسمى بالسمعيات (الإيمان بعذاب القبر، والحوض، والميزان، والصراط ونحوها).
وليس الأمر كذلك، فالعمل في لسان أهل العلم يطلق على العمل بالجوارح، وكذلك العمل القلبي، والإيمان بالغيب محمود في النصوص، وهو من ضمن العمل القلبي.
ومن الناس من يحصر المسائل المهمة بالمسائل ذات المتعلقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما يجتمع المسلم والكافر في اعتبارها مسائل مهمة، غير أن للمسلم فيها مذاهب تختلف عن مذاهب الكافر.
وكثير من أهل الجهل يفترضون الفصل بين الإيمان الغيبي والعمليات، أو الفصل بين العمليات مثل الصلاة والنذر ونحوها، والعمليات ذات المتعلقات الحقوقية، كمباحث علاقة الحاكم بالمحكوم، وعلاقة الزوج بالزوجة، وعموم الأمور الأسرية والاجتماعية والصحية النفسية والبدنية.
وليس الأمر كذلك، فكله متداخل. فكلما زاد إيمان الإنسان بالغيب، كان ذلك أدنى لاستقامة عبادته العملية.
قال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 107-109].
فربط سبحانه بين إيمانهم بالغيب وخشوعهم في الصلاة.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45].
وهنا ربط بين استقامة العبادة واستقامة المعاملات مع الناس.
وقد يعتقد المرء اعتقادًا فاسدًا فيحبط عمله، كما قال ابن عمر للقدرية متوعدًا لهم: «لو أن لأحدهم مثل أُحد ذهبًا، فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر».
واليوم بلغت الجرأة في بعض الناس أن يستهينوا بالأبحاث الشرعية المتعلقة بأعظم عبادة، وهي عبادة الصلاة، كأبحاث الطهارة والمسح على الخفين.
وبعض الناس يريدون أن يأخذوا من الغيبيات الجانب الوعظي فحسب، دون النظر إلى جانب الرد على المخالفين والمبطلين الذين كفروا بهذه الغيبيات أو حرفوها.
وكل هذه مسالك فاسدة تخالف ما كان عليه السلف الصالح، وهم أنصح الناس وأحرصهم على ما في الكتاب والسنة، وأعلمهم بما تدل عليه من معانٍ.
يقول المستشرق إميل درمنغم في كتابه «حياة محمد» ص٣٣٠:
«وما أكثر ما في القرآن والحديث من الأمر بالتسامح، وما أكثر عمل فاتحي الإسلام بذلك، ولم يروِ التاريخ أن المسلمين قتلوا شعبًا، وما دخول الناس أفواجًا في الإسلام إلا عن رغبة فيه».
أقول: هو هنا يقارن مقارنة خفية بين صنيع النصارى في تنصير الأفارقة والسكان الأصليين في أمريكا وأستراليا، وما فعله قسطنطين حيث أقام النصرانية بالسيف وقتل من خالفه، وما فعلوه في إسبانيا مع المسلمين.
وليس معنى هذا أن يُعامَل غير المسلم معاملة المسلم من كل وجه، وإنما المقصود عدم إجبار الناس تحت تهديد السيف على الإسلام، كما حصل في الأمثلة السابقة في النصرانية، ثم لا يستحون من إلصاق الأمر بالإسلام.
ويقول غوستاف لوبون في كتابه «حضارة العرب» ص١٣٤:
«لم تقل براعة الخلفاء الراشدين السياسية عن براعتهم الحربية التي اكتسبوها على عجل، فقد اتصلوا منذ الوقائع الأولى بسكان البلاد المجاورة الأصليين الذين كان يبغي عليهم قاهروهم منذ قرون كثيرة… فكانت الطريق التي يجب على الخلفاء أن يسلكوها واضحة، فعرفوا كيف يحجمون عن حمل أحد بالقوة على ترك دينه، وعرفوا كيف يبتعدون - خلافًا لمزاعم الكثيرين - عن إعمال السيف فيمن لم يُسلم».
وقد عبّرت المستشرقة الإيطالية لورا فيشيا فاغليري عن ذلك بقولها في كتاب «دفاع عن الإسلام» ص٢٢:
«لا يزال العقل البشري يقف ذاهلًا دون اكتشاف القوى السرّية التي مكّنت جماعة من المحاربين الجفاة من الانتصار على شعوب متفوقة عليها تفوقًا كبيرًا في الحضارة، والثروة، والخبرة، والقدرة على شن الحرب. ومن أدعى الأمور إلى الدهشة أن نلاحظ كيف استطاع أولئك الناس أن يحتلوا تلك المناطق كلها».
أقول: كلامها سليم غاية، والأمر فعلًا كان آية من آيات الله تبارك وتعالى.
وليس معنى ما أشاروا إليه أن دعوة غير المسلمين لم تكن من أولويات الخلافة، ولكن بالترغيب والترهيب دون إكراه محض.
ودعوى بعض الجهلة أن الجزية هي سبب إسلام أولئك الناس سخيفة غاية؛ لأن الجزية كانت تُراعى فيها مقدرة الإنسان، ولا تؤخذ من النساء. فتَرْكُ الإنسان لعقيدته التي هو مستيقن بها من أجل مبلغ مالي يقدر عليه، لينتقل لدين أيضًا فيه التزامات مالية ربما تكون أعظم، مع التزام بالجهاد بالنسبة للرجال؛ عملٌ لا يُقدِم عليه عاقل أو شخص مستيقن بما هو عليه أصلًا.
والنصارى في عامة كتاباتهم يفخرون بثباتهم في زمن الاستضعاف أمام الوثنيين، ويؤرخون لمن يسمونهم شهداء ممن قُتلوا بسبب اعتقادهم في المسيح في زمن تسلط الوثنيين عليهم.
وتقول أيضًا في ص٤٠:
«كيف نفسر مواصلة الإسلام - على الرغم من الحرية الدينية الممنوحة في البلدان الإسلامية للمواطنين غير المسلمين، ومن فقدان أيما منظمة تبشيرية حقيقية - تقدُّمَه الحثيث في آسية وأفريقية في وجه الانحطاط العام الذي أصاب الفكرة الدينية في السنوات الأخيرة؟ إن أحدًا لا يستطيع اليوم أن يزعم أن سيف الفاتح هو الذي يمهد السبيل أمام الإسلام، على العكس، ففي الأصقاع التي كانت في يوم من الأيام دولًا إسلامية، تولت مقاليد السلطة حكومات جديدة تنتسب إلى أديان أخرى، وعملت في أوساط المسلمين طوال فترات عديدة منظمات تبشيرية قوية، ومع ذلك فإن الحكومات وتلك المنظمات لم توفق إلى زحزحة الإسلام وإقصائه عن حياة الشعوب الإسلامية. أي قوة عجيبة تكمن في هذا الدين؟ ».
أقول: هذه النقولات من منطلق الإلزام، وإلا فعامة المستشرقين - حتى من يقال عنهم من المنصفين - لا يفهمون الإسلام فهمًا جيدًا، ولا يدركون محاسنه وتفاصيل كلام الفقهاء إدراكًا يصل إلى الدرجة المتوسطة؛ لأن غالب انطباعاتهم يأخذونها من الحدث التاريخي فحسب مع العجمة.
ولكن أذكر هذا لبيان أن هناك حقائق لا يقف قِبالها إلا مكابر لوضوحها غاية.
* * *
وفي طور الاستبسال في الدفاع عن الاحتفال بما يسمى رأس السنة الميلادية، كتب أحدهم أن عيد ميلاد ابن الإله هو يوم ٢٥ ديسمبر، وهو العيد الديني الذي لا يجوز مشاركته، أما يوم ٣١ ديسمبر فهذا أمر تحتفل به كل الأديان لأنه نهاية العام الميلادي!
وهكذا يحاول أن يُظهر أن الاحتفال بيوم ٣١ ديسمبر لا علاقة له بالنصرانية، وأنه احتفال عام.
ويا ليت شعري، متى احتفل المسلمون بهذا اليوم قبل الاستعمار؟
يوم ٣١ ديسمبر عيد مسيحي (نصراني) خالص، وانتشر بفعل الهيمنة الغربية، واسمه عندهم (يوم القديس سلفستر).
وهو عندهم يوم وفاة هذا القديس، وإليك من هو:
يُعدّ القديس سلفستر بابا روما في الفترة ٣١٤ - ٣٣٥م، وهي الفترة التي بدأ فيها تمكّن النصرانية في الإمبراطورية الرومانية.
أما الحدث الأبرز في فترة هذا البابا فهو مجمع نيقية سنة ٣٢٥م، حيث تم الحكم على قس الإسكندرية آريوس، مؤسس المذهب الآريوسي، بالهرطقة؛ حيث خالف آريوس بقية الكنائس بقوله إن الإله الابن «يسوع» لا يساوي الآب، وليس أزليًّا مثله (ومع ذلك هو مولود قبل كل العصور، والله أعطاه اسمًا فوق كل الأسماء وهو اسمه، لذا هو إله).
وقد كان للقديس سلفستر دور مهم فيما يُعرف بالأزمة الآريوسية، مع أنه لم يحضر المجمع وأرسل نائبين عنه.
وتقول الأسطورة إن القديس سلفستر هو من قام بتحويل القديس قسطنطين إلى النصرانية وتعميده بعد أن «شفاه» بمعجزة من مرض الجذام.
وبالمقابل زعموا أن الإمبراطور قدّم ما يسمى بـ«منحة قسطنطين»، وهي وثيقة مزوّرة باعتراف مؤرخيهم أنفسهم، وهي عبارة عن تنازل عن التفوق الروحي على البطريركية الشرقية وكل مسائل الإيمان والعبادة، وكذلك الهيمنة الزمنية على روما والعالم الغربي بأكمله.
وتنصُّر قسطنطين هو السبب الرئيسي في انتشار النصرانية في الغرب؛ لأنه فرضها هناك.
قال شيخ الإسلام في «الجواب الصحيح» (٥/٩٥) ردًّا على قولهم بانتشار الإسلام بالسيف فقط:
«ويقال للنصارى: أنتم ما زلتم مقهورين مغلوبين مبددين في الأرض، حتى ظهر قسطنطين وأقام دين النصرانية بالسيف، وقتل من خالفه من المشركين واليهود. لكن أظهر دينًا مبدلًا مغيرًا ليس هو دين المسيح عليه السلام».
فيوم ٣١ ديسمبر عيد ديني محض، ولهذا خلّدوه باسم القديس الذي يزعمون أنه نصّر قسطنطين، وكان الأخير سببًا في انتشارها في الغرب، ولعلّ اجتماع ذكرى هذا القديس مع نهاية العام السابق وبداية العام الجديد جعله عندهم كنوع من الرمزية لانتهاء عهد الاستضعاف وبداية عهد القوة والتمكين.
وهذا الكاتب يخدع نفسه أم يخدعنا؟ فالناس ليس فقط يهنئون، بل يحتفلون وكأنه عيد خاص بهم.
ثم لا تجدهم يحتفلون بالأعياد الوطنية لديار أخرى ولو كانت على نفس العقيدة والدين (حفظًا لمقتضيات حدود سايكس وبيكو)، وغاية أمره أن يهنئ فقط، وهذا إنما يقع من أفراد (هذا مع بغضنا للجاهلية الوطنية، ولكن الأمر للإلزام)، ثم بعد ذلك يحتفل بأعياد النصارى خاصة.
والطريف أن يوم القديس سلفستر تحتفل به الكنائس الغربية فقط في يوم ٣١ ديسمبر، وأما الكنائس الشرقية فتحتفل به يوم ٢ يناير، وعامة الناس عندنا اختاروا قول الغربيين إمعانًا في الانبطاح.
وتجد المرء مقاطعًا لإخوانه المسلمين في قضايا شخصية، وربما بعض أرحامه، ويمر عليه العيد والعيدان والثلاثة من أعياد المسلمين وهو مقاطع لهم، ثم هو بعد ذلك يجادلك في تهنئة النصارى بأعيادهم.
This quoted post is unavailable.
هناك أحكامًا عديدة فيها تيسير على المرأة مراعاة لضعفها، في مقابل التشديد على الرجل لقوته.
فمن ذلك أن المرأة تسقط عنها صلاة الجمعة والجماعة، في الوقت الذي يطالب فيه الرجل بذلك وتسقط شهادته بترك هذا.
ومن ذلك أن المرأة لا يجب عليها الجهاد.
ومن ذلك أن المرأة يجوز لها دفع زكاتها لزوجها الفقير، والرجل لا يجوز له ذلك؛ لأن نفقة الرجل على زوجته واجبة عليه ولا تتداخل مع واجب الزكاة. والمرأة لا يجب عليها النفقة على زوجها مهما كانت غنية وكان معدمًا، بل إذا عجز عن النفقة عليها أُلزم بالتطليق إلا أن تعفو عن حق نفسها، في مذهب سعيد بن المسيب والشافعي وغيرهم.
وإذا قتلت المرأة شخصًا خطأ فإن الدية يلزم بها عاقلتها الرجال، ولا تدفع شيئًا.
والجزية وزكاة الفطر تلزم الزوج فحسب عن أهل بيته، ولا تلزم المرأة.
ثم إن للمرأة حق المهر، وتستوجبه بمجرد خلوة الرجل بها خلوة تمكنه من جماعها وإن لم يجامعها. بل لو رماها بالزنا ولاعنها لا يأخذ من المهر شيئًا؛ لأنه بما استحل من فرجها. ولو عقد عليها الرجل ولم يدخل أبدًا فإن لها نصف المهر، ولا يجوز له أن يرتجع شيئًا مما أهداه لها.
ولها حق الحضانة في حال الطلاق ما دام الولد صغيرًا، ويجب على الرجل أن ينفق عليها طوال مدة عدتها، وإذا كانت حاملًا فطوال حملها، وإذا أرضعت له وجب عليه أن يعطيها أجرها بنص كتاب الله.
وأوجب الله عز وجل على الرجال المهر والنفقة، وحرم ضربهن في غير نشوز، وحتى بالنشوز يكون ذلك بعد الموعظة. واتفق المفسرون على أنه ضرب غير مبرح، واتفق العلماء على تحريم الضرب في الوجه.
هذا غير ما ورد في حد القذف؛ فكلمة يطلقها امرؤ في حقها توجب ثمانين جلدة في ظهره.
وهذا فرض المرأة حين كان فرض الرجال النفقة والقتال، مع ما اشتركوا فيه من الفروض.
وأما اعتبارها حق الولاية إذلالًا للمرأة فقول عجيب لم يسبقها إليه أحد من بني آدم، ولا تقول به امرأة شمت رائحة العفة.
فهي تظن أن الولاية تعني الإجبار، وليس الأمر كذلك. وإنما تكون ولاية الإجبار في حق الصغيرة التي لم تبلغ، وإذا بلغت يُجعل لها الخيار، وهذه الولاية خاصة بالوالد دون بقية الأولياء. والمرأة بكرًا كانت أو ثيبًا لا بد من إجازتها بعد موافقة وليها. وقد اتفق الفقهاء أن المرأة في حال عضل وليها لها يجوز لها رفع أمرها للقاضي.
وحديث «لا نكاح إلا بولي» عامة المحدثين على تصحيحه، ويكفي تصحيح الإمام أحمد له، وقد ثبت هذا المتن ومعناه عن جماعة من الصحابة على رأسهم عمر بن الخطاب الخليفة الراشد.
وقال الترمذي: «والعمل في هذا الباب على حديث النبي ﷺ: لا نكاح إلا بولي، عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، منهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وغيرهم».
ومن حكم الولاية: أن الرجال أعرف بالرجال لكثرة خروجهم وخلطتهم مع بعضهم البعض، والرجل أقدر على استخراج الحقوق من رجل مثله، كالمهر ومثله. وإذا ابتدأ أمر الرجل مع رجل مثله كان مقام المرأة في نفسه أعظم، ويعلم أن وراءها من يحامي عنها إن ظلمها. ومعلوم في صلة الرجل مع المرأة أن الرجل أقوى جسديًا وأقدر على الظلم.
وأمر الولاية لا يعتبره ذلًا إلا صغير عقل؛ فلو كانت المرأة لا قيمة لها ولا تأثير لها في أنساب الناس لما حيطت بهذه العناية.
فإن قيل: أفلا ينطبق هذا على الرجل؟
فيقال: الرجل إما أن يكون غير مكتسب، فهذا في العادة يزوجه أبوه، وإما أن يكون مكتسبًا، فهذا يكون قد خبر الأمور. وشتان بين الحالين، حال الرجل وحال المرأة في هذا الباب، لمن تأمل.
وعمل النساء اليوم كثير منه فقط ليقولوا للغرب: ها نحن نوظف النساء! وهناك عطلة الدورة الشهرية تأخذها مرضية، وعطلة الولادة، وعطلة الرضاع؛ فالاستمرارية في العمل للمرأة مع وجود أسرة حبلها منقطع، ولا بد من الجناية على أحد الأمرين في الغالب.
ثم إننا نعلم أن المرأة الوضيئة في الأوساط الاختلاطية تحصّل بحسن وجهها ما يحصّله الرجال والنساء الأدنى منها بكد العمل، وإذا كان الرئيس في العمل فاسقًا وهي ضعيفة الدين فذاك البلاء المبين، واللبيب بالإشارة يفهم.
وأما عمل المرأة الجائز فهذا بحث طويل، ولكنه ينبغي أن يكون بغير اختلاط -إن جوّزناه- وبغير خروج طويل حتى لا يؤثر سلبًا على بيتها. ويراعى أن المرأة ليس عليها متطلبات اقتصادية تلزم بها شرعًا وعرفًا كالرجل، فهذا ينبغي أن يراعى في الرواتب.
وعالم المساواة بين المرأة والرجل عالم لا تتساوى فيه الجميلة مع القبيحة، ولا من تبذل نفسها مع العفيفة، ولا الكبيرة مع الصغيرة.
ينبغي أن يُفهم هذا جيدًا، وألا تُكابَر حقائق قطعية في نفوس بني آدم؛ فالرجل أشد ميلًا للمرأة الجميلة من القبيحة، وفي حال كشف كل واحدة منهن وجهها فلن تكون الحفاوة بالتي تميل نفس الرجل إليها كالأخرى، وهكذا.
فقبل الكلام عن فرص متساوية بين الرجال والنساء، مكابرين لكل الفوارق الجسدية والنفسية، ينبغي الكلام عن فرص متساوية بين النساء أنفسهن.
فلباس المرأة إذا كان غير محتشم فهو استجابة فقط لشهوات الذكور المتهتكين، وعلى ما يريدون يكون هذا الملبوس.
ثم إن اعتبار الرجل أفضل من المرأة بأصل الخلقة، ثم بعد ذلك يتفاضلون بالتقوى فتكون المرأة التقية خيرًا من الرجل الفاجر، قول غير مدفوع لا من جهة النظر ولا من جهة الأثر.
فكون النسب الفلاني خيرًا من النسب الفلاني، والطول أفضل من القصر، والقوة أفضل من الهزال، والحرية أفضل من الرق، والجمال أفضل من القبح، والغنى أفضل من الفقر، يكون من بابه أن الذكورة أفضل من الأنوثة.
غير أن الله عز وجل لا يحاسب الناس على صورهم، وإنما يحاسبهم على أعمالهم. وهنا قد تكون امرأة فقيرة قبيحة خيرًا من ملء الأرض من رجل وسيم غني؛ لكونها مؤمنة وهو كافر أو فاسق.
فهذه أفضلية طبعية من وجه، والأفضلية الشرعية هي الفيصل.
وأود أن أنبه إلى أن النقد الليبرالي للمجتمع يتم فيه الخلط بين قيم موروثة قبليًا لا علاقة لها بالدين، ثم إلباسها ثوب الدين. مثل كون بعض الناس لا يسمي المرأة ولا يذكر اسمها، فهذا أمر عرفي عند الناس لا علاقة له بالشرع أو النظرة الشرعية. ومنهم من يخفف في زنا الرجال دون زنا النساء، وهذا كله ذنب عظيم من النظرة الشرعية، مع أن الرجل إذا زنى فهو أفسد امرأة معه، والأمر عظيم عند الله من الرجل ومن المرأة.
وأما الاعتراض على الشرائع بعد الإقرار بصحة الوحي فليس مسلك أحد، لا فلاسفة ولا متكلمين، ولا حتى أهل الرأي الذين يدفعون بعض الأخبار بالقياس لا بمجرد التشهي. وعقول الناس تتفاوت، والعقل مع النقل كالعامي مع المفتي، أو كالمريض مع الطبيب؛ يعلم العامي أو المريض حذق الطبيب أو المفتي بأدلة، ثم بعد ذلك يسلم له قوله ولا يناقشه لأنه الأعلم.
ومن ظن من البشر أن عقله يتسع لإدراك حكمة الله كلها فهذا منتقص للرب؛ إذ كيف تكون حكمة الخالق العظيم قابلة لأن يحيط بها بشر، وقد قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ﴾.
والمنافي للعقل أن يعتقد المرء أن فقهاء خير أمة في خير القرون ضلوا، وأصاب بعض الزنادقة في زمن انتشرت فيه الإباحية والانهزامية أمام القيم الغربية.
ثم لا تظن امرأة بعد ذلك أن لها المنة على الله ورسوله، بل الله يمن عليها أن هداها للإيمان إن كانت مؤمنة حقًا.
ومن يعترض على التشريعات التي تفرق بين الرجل والمرأة فليعترض على كون المرأة تحمل وتلد وتحيض، والرجل ليس كذلك!
بل الرجل والمرأة كلاهما عبد لله، وفي ملكه يعيش، وفي نعمه يرفل، وكل منهما مكلف بأمور هو قادر عليها؛ إن فعلها كان جزاؤه الجنة، وإن خالف فكفر فمصيره النار، وإن خالف ففسق فهو تحت المشيئة.
إن العبودية لله هي الحرية الحق؛ لأنك تخرج عن كل أهواء العباد إلى ما يريد رب العباد وإن كره العباد، فلا طاعة لمخلوق في معصية خالق.
---
منقول من مقالَي الشيخ أبي جعفر الخليفي: «الرد على سهيلة زين العابدين في طعنها في أهل الحديث» (٢٠١٥)، و«المرأة مكانها البيت! » (٢٠١٦)، باختصار وتصرف يسير.
xitter.cf/m1uuxp/status/21135558…
لو طرحنا جانبًا ما في هذا الكلام من سفه وضحك وقلة أدب وتنابز، ونظرنا في مضمونه العلمي بدقة، لم نجد تحته تحريرًا!
وليس في التراجع عن الخطأ العلمي أي إشكال، بل هو منقبة لصاحبه. فالخطأ يقع من بني آدم وسيقع.
قال مجاهد: «ليس أحد بعد رسول الله ﷺ إلا وهو يؤخذ من قوله ويترك». وقال الحكم بن عتيبة: «ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ». [جامع بيان العلم وفضله ٢/٩٢٥–٩٢٦]
وفي كتاب عمر المشهور إلى أبي موسى: «لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، راجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل». [أخبار القضاة لوكيع ١/٢٨٤]
لكن الإشكال في تحويل الأخطاء العلمية المحتملة، التي يقع فيها كل عالم مهما علا كعبه، إلى سخرية وقلة أدب وشتائم. يتصيدها المخالف المتحامل، يريد بها إسقاط خصمه الذي يخالفه في عقيدته أو منهجه، وإنما جُعلت هذه المسائل وسيلةً إلى هذا الغرض.
ثم إن هذا الضرب من الناس لا يسير على ميزان واحد. يقبل المرسل مثلًا إذا خدم أطروحته، ويرده إذا لم يخدمها. وفي ذلك أمثلة عدة ليس هذا موضع بسطها، وقد وقع شيء منها لصاحب حساب «عبّاسي سابق»، بل يحذف بعض تغريداته بعد أن يرد الناس عليه. وهذا تلاعب، لا تحقيق. ومن رأى حال هؤلاء حمد الله الذي عافاه مما هم فيه من ضلال وانحراف.
وهذه المسألة شاهد على ذلك؛ فما ضحك منه ليس خطأً أصلًا، لا في الإسناد ولا في المعنى.
قال: «الرواية لا تصح، هشام بن حسان مدلس وقد عنعن، ويوسف بن عبدة ضعيف».
وهذا الإطلاق خطأ، وبيانه من وجوه:
الأول: أقوى طرق الأثر ما رواه ابن سعد في الطبقات عن عفان بن مسلم، عن حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين قال: «لم تُرَ هذه الحمرة في آفاق السماء حتى قُتل الحسين بن علي».
وهذا إسناد رجاله رجال الصحيح، وقد أخرج مسلم في صحيحه بهذه الترجمة نفسها: هشام بن حسان عن محمد بن سيرين.
وليس في هذا الإسناد يوسف بن عبدة أصلًا.
وتابع ابنَ سعد عن عفان عمرُ بن شبة عند البلاذري في أنساب الأشراف. وتابع عفانَ سليمانُ بن حرب، رواه عنه يعقوب بن سفيان كما عند ابن عساكر، وإسماعيل القاضي كما عند ابن بطة.
فالأثر عن حماد عن هشام معروف من غير وجه منذ القرن الثالث. وليس خبرًا متأخرًا ظهر عند الشيعة.
الثاني: قوله «هشام مدلس وقد عنعن» تطبيق للقاعدة على غير موردها. والنقاد يفرقون بين شيوخ الراوي.
قال علي بن المديني: «أما حديث هشام عن محمد فصحاح، وحديثه عن الحسن عامتها تدور على حوشب، وهشام أثبت من خالد الحذاء في ابن سيرين، وهشام ثبت». [الجرح والتعديل ٩/٥٥، تهذيب الكمال ٣٠/١٨٧]
وسئل يحيى القطان: هشام في ابن سيرين أحب إليك أو عاصم الأحول وخالد الحذاء؟ فقال: «هشام». [سير أعلام النبلاء ٦/٣٥٨]
وقال مخلد بن الحسين: كان هشام إذا حدث عن ابن سيرين «سرده سردا كما سمعه، وإن كان ابن سيرين يرسل فيه يرسل فيه». [تهذيب الكمال ٣٠/١٨٥]
وهذا وصف ناقل أمين لهيئة ما سمع، وهو ضد التدليس.
ونُقل عن أبي داود أنهم إنما تكلموا في حديثه عن الحسن وعطاء لأنه كان يرسل عنهما.
وكل ما ساقه ابن حجر في «تعريف أهل التقديس» دليلًا على تدليسه إنما هو في الحسن.
ولا يُكتم ما يخالف ذلك. فقد نُقل عن شعبة أنه «كان يتقي حديث هشام بن حسان عن عطاء، ومحمد، والحسن». وأنكر أيوب على هشام ألفاظًا في روايته عن ابن سيرين. [تهذيب الكمال ٣٠/١٨٩]
لكن هذا كلام في ضبط بعض الألفاظ، لا في الاتصال. والجمهور على خلاف شعبة في هشام. ورواية هشام عن ابن سيرين من أقوى ما يُروى عنه.
الثالث: قوله «يوسف بن عبدة ضعيف» فيه إخلال، فالرجل مختلف فيه.
قال ابن معين: «بصري ثقة». وقال أبو حاتم: «شيخ ليس بالقوي، ضعيف». وذكره ابن حبان في الثقات. وقال البزار: «لا بأس به». وقال ابن حجر: «لين الحديث». والمناكير التي أُخذت عليه إنما هي عن ثابت وحميد.
ثم إنه هنا لم يعنعن، بل قال: «سمعت محمد بن سيرين».
فطريقه لا يُعتمد عليه وحده في ألفاظه، كقوله «عند طلوع الشمس وعند غروبها». لكنه يعضد أصل رواية هشام.
الرابع: وصفه الخبر بأنه «رواية شيعية» عجيب. الإسناد: عفان، عن حماد بن زيد، عن هشام، عن ابن سيرين. فأيهم شيعي؟ ومحمد بن سيرين لم يرمه أحد بالتشيع.
نعم، المضمون متداول في كتب الشيعة ومبالغاتهم في مقتل الحسين. لكن موافقة متنٍ لشيء يرويه الشيعة لا تحوّل إسنادًا بصريًا إلى رواية شيعية.
الخامس: قوله: «شيخك المتشيع يزعم أن الشفق الأحمر ظهر بسبب مقتل الحسين».
ولم يقل أبو جعفر «بسبب»، وإنما قال: «وقد أنكر شيخ الإسلام هذا الخبر في منهاج السنة ولعله لم يستحضر، فالسند هنا صحيح وابن سيرين أدرك تلك الحقبة».
فكلامه في ثبوت الإسناد إلى ابن سيرين، وأنه أدرك ذلك الزمان. وقوله «لعله» احتمال، لا جزم.
ومما يحسن التنبيه عليه هنا: أن ابن المطهر قال في الموضع الذي يرد عليه شيخ الإسلام: «وذكر ابن سعد في الطبقات أن الحمرة ظهرت في السماء يوم قتل الحسين ولم تُرَ قبل ذلك». فقال شيخ الإسلام: «ومثل كون الحمرة ظهرت في السماء يوم قتل الحسين ولم تظهر قبل ذلك، فإن هذا من الترهات، فما زالت هذه الحمرة تظهر ولها سبب طبيعي من جهة الشمس، فهي بمنزلة الشفق». [منهاج السنة ٤/٥١٧، ٤/٥٦٠]
فشيخ الإسلام لم يشتغل بالإسناد أصلًا ولم ينازع فيه، وإنما أنكر ابتداء الحمرة كما صاغها ابن المطهر. وبهذا يتبيّن أن في المسألة بحثين لا بحثًا واحدًا: ثبوت الكلام عن ابن سيرين، ومراده منه.
السادس: وأما مراد ابن سيرين، فأصل الشفق معروف منذ القدم، وعليه تدور مواقيت المغرب والعشاء، ولا ينازع فيه أحد. وابن سيرين وُلد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان [تاريخ الطبري]، فكان يوم مقتل الحسين رجلًا قد صلى المغرب ما لا يُحصى. وهو فقيه البصرة، يرقب الشفق لمعرفة أوقات الصلاة. فكيف يُظن به أنه ينفي حمرة يراها كل مصلٍّ كل يوم؟
وإنما يتكلم عن حمرة اشتدت في الآفاق بعد مقتل الحسين، ولهذا أشار إليها بقوله: «هذه الحمرة».
ونظير هذا الشهب. قال الله تعالى عن الجن: ﴿وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا﴾.
والرمي بالشهب كان معروفًا قبل المبعث. ففي صحيح مسلم أنهم كانوا جلوسًا ليلة مع رسول الله ﷺ «رُمي بنجم فاستنار»، فقال لهم: «ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رُمي بمثل هذا؟ ». [صحيح مسلم ٤/١٧٥٠]
ومع ذلك اشتد أمرها عند المبعث. قال معمر: قلت للزهري: أكان يُرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: «نعم». قلت: أفرأيت قوله: ﴿وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع﴾؟ قال: «غُلِّظت وشُدِّد أمرها حين بُعث النبي ﷺ». [المنتخب من مسند عبد بن حميد ص٢٢٨، تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة]
فهذه ظاهرة تُرى في السماء، موجودة من قبل، اشتدت عند حدث عظيم، ونقلها شهود العيان. ولا يستطيع أحد أن ينكرها. وكذلك ما يُرى في السماء عمومًا، كانشقاق القمر وغيره، إنما يؤخذ من المشاهدة.
وكذلك ما ذكره ابن سيرين. فقيه يرقب الشفق، لاحظ حمرة اشتدت بعد مقتل الحسين، فسجّل ما رأى. وليس في هذا ما يمتنع عقلًا ولا شرعًا ولا طبعًا.
ويشهد لذلك ما نقله غير واحد من احمرار غير معهود بعد مقتله. روى البلاذري عن سعيد بن سليمان، عن عباد بن العوام، عن أبي حصين قال: «لما قتل الحسين مكثوا شهرين أو ثلاثة وكأنما تلطّخ الحيطان بالدم من حين صلاة الغداة إلى طلوع الشمس». [أنساب الأشراف ٣/٤١٣] وروى ابن سعد عن الأسود بن قيس: «احمرت آفاق السماء بعد قتل الحسين ستة أشهر»، وفي إسناده ضعف.
فالإسناد صحيح لا يُدفع، والمعنى ممكن لا يدفعه شيء. وكلام الثقة إذا احتمل وجهًا صحيحًا حُمل عليه، ولا يُكذَّب التابعي الجليل بمعنى لم يقله.
وأما القرطبي فإنما ردّ لفظ: «أخبرونا أن الحمرة التي تكون مع الشفق لم تكن حتى قتل الحسين» [تفسير القرطبي ١٦/١٤١]. وهذا لفظ تفرد به خالد بن خداش عن حماد، وخالف فيه عفان وسليمان بن حرب.
وأما شيخ الإسلام وابن كثير فإنما ردّا دعوى أن الحمرة لم تكن تظهر قبل يومئذ أصلًا. وهي الدعوى التي صاغها ابن المطهر، وعدّها ابن كثير في أكاذيب الشيعة بقوله: «وأن الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذ». وردّهما حق في نفسه، لكنه ردّ على معنى لم يرده ابن سيرين.
السابع: قوله «وقد أخبر عنها النبي ﷺ». إن أراد أن النبي ﷺ ذكر الشفق فنعم، ففي مسلم: «ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق». وإن أراد أنه صح عنه «الشفق الحمرة» مرفوعًا فلا.
قال ابن خزيمة: «ولم يثبت -علمي- عن النبي ﷺ أن الشفق الحمرة». وقال البيهقي في رفعه عن ابن عمر: «والصحيح موقوف».
وعلى كل حال فهذا يؤكد ما سبق: الشفق معروف للنبي ﷺ وأصحابه، فكيف يخفى على ابن سيرين؟
الثامن: طريق ابن عون عند ابن عساكر لا يُحتج به. ففي الطريق إليه راوٍ لا تُعرف له ترجمة، وآخر لم يُذكر بجرح ولا تعديل. ولا حاجة إليه، فالأثر قائم بطريق هشام، ويعضده يوسف.
أما الضحك والتنابز فلا يقيمان حجة ولا يهدمانها، وإنما هما دليل على قلة الأدب والسفه، وما أكثر هذا الضرب من الناس.
فمن أراد النقد فأهلًا وسهلًا، ولكن بعلم وأدب.
نسأل الله العظيم السلامة والعافية.
والعلم عند الله تعالى.
- مشرف الحساب.
اعتراف كاتب رافضي بجهد ابن تيمية في نقد المنطق واستفادة الغربيين منه
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فمما يجهله كثيرون أن التقدم في بعض أبواب العلوم التجريبية الذي حصل في الغرب، كان على أنقاض المنطق الأرسطي؛ إذ لما ظهر فيهم نقاد انتقدوا منطق أرسطو وسقطت هيبته، سقطت هيبة نتائجه التجريبية أيضاً وجُعلت محلاً للبحث.
وقد وقع بين يدي كتاب بعنوان: (المفكرون المسلمون في مواجهة المنطق اليوناني نقد علماء المسلمين لمنطق أرسطو وموازنته بمنطق الفلاسفة الغربيين).
لكاتب شيعي حائز على درجة الاجتهاد اسمه مصطفى طباطبائي، وقد صنف الكتاب بالفارسية، فترجمه للعربية عبد الرحيم ملارئي البلوشي.
وفكرة الكتاب هي إحصاء ما كتب الإسلاميون - أعني المنتسبين للإسلام - في نقد منطق أرسطو، ثم ذكر ما كتبه الغربيون في هذا الباب، وإثبات أنهم مسبوقون من الإسلاميين، بل إن كثيراً منها مأخوذ مما كتب المنتسبون للإسلام.
وهذا الرافضي لم يستطع إخفاء إعجابه بنقد ابن تيمية للمنطق، مع أنه عرض لنقد غيره كابن خلدون والغزالي والنوبختي الشيعي والسيرافي وغيرهم.
قال مصطفى طباطبائي في ص89: "في القرن السابع الهجري نلتقي بمفكر كبير وقد هيأت له آثاره وأفكاره كثيراً من الموافقين والمخالفين، هذا هو أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني الدمشقي المتوفى 728 وقد كان آية في العلوم الإسلامية المختلفة من تاريخ وأدب ورجال وفقه وحديث وملل ونحل وكلام وحكمة وتفسير وغيرها".
حتى قال في ص91: "وبرأي المؤلف مع أن مقام ابن تيمية كان رفيعاً في العلوم الإسلامية وفوائد آثاره لا تنكر أما التسليم بأقواله تسليماً مطلقاً فغير جائز".
إلى أن قال: "من الأعمال المتميزة لابن تيمية التي تجب دراستها بعمق هو الجهد الذي بذله في رد المنطق الأرسطي وفلسفته وجهده هذا في آثاره المتعددة واضحاً وخاصة كتابه (نصيحة أهل الإيمان في الرد منطق اليونان) والكتاب المذكور طبع في الهند في عام 1368 بعنوان (الرد على المنطقيين)".
إلى أن قال: "إن الشيء الذي يثير العجب والحيرة في آثار ابن تيمية هو الإحاطة الغريبة من هذا الرجل بالآراء المختلفة للعلماء في كل فن وعلم، وخاصة لما يدخل في المنطق أو الفلسفة اليونانيين يذكرنا بقول ابن خلدون في مقدمته حيث قال: (عكف عليها النظار من أهل الإسلام وحذقوا في فنونها وانتهت إلى الغاية أنظارهم فيها وخالفوا كثيراً من آراء المعلم الأول".
ثم تطرق إلى نقد ابن تيمية للمنطق بعيداً عن بحث الإلهيات في عشرين صحيفة تقريباً، وكان تارة يوافق ابن تيمية، وأخرى يخالفه، وأخرى يوافقه مع تحفظ.
حتى قال في ص116: "في آخر هذا الفصل لا بد من الاعتراف أن فوائد آثار ابن تيمية في ميدان المنطق لا تحد ولا تقتصر على ما أتينا به هنا. ولا سيما كتابه بمنزلة البحر، حيث على الغواصين الأذكياء (المتطلعين) أن يجدوا فيه جواهر قيمة".
ثم تكلم في فصول متأخرة من الكتاب على نقد الغربيين لمنطق أرسطو واقتباسهم من المسلمين.
فذكر روجو بيكون، وأثبت في ص130 أنه كرر بعض حجج ابن تيمية، وكانت طريقة ابن تيمية علمية أكثر.
وذكر ديكارت، وحقق في ص134 أنه كرر بعض حجج ابن تيمية والسيرافي في نقد المنطق الأرسطي.
وذكر جان لوك، والذي أثبت أن عامة نقده هو عين نقد ابن تيمية.
وذكر بركلي، وأثبت أنه كرر بعض حجج ابن تيمية في ص139.
وأخيراً ذكر جان ستوارت.
ثم قال في ص148: "إن القراء الكرام إذا رجعوا إلى فصل نقد ابن تيمية للمنطق في هذا الكتاب سيلاحظون في نقد أبو العباس ابن تيمية عن منطق أرسطو جميع آراء استوارت ميل التي ذكرناها قبله بخمس قرون".
وهذه الحقائق المدهشة تصلح أن تُزف هدية للزنديق البهمية محمد آل الشيخ الذي يدافع عن المنطق ولا يعرف عنه إلا القليل، وما علم المسكين أن أسياده الذين ينظر إليهم كما تنظر الأمة إلى سيدها هم أيضاً أولعوا بنقد منطق أرسطو وترديد كلام شيخ الإسلام.
هذا، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
✍🏽 عبد الله بن فهد الخليفي
هذا المنطق نفسه انتقده علماء أوروبا مثل فرانسيس بيكون وانتقد غاليليو فيزياء أرسطو وكان تجاوز أفكار أرسطو والاعتماد على التجربة والملاحظة من أهم أسباب الثورة العلمية اللي خلت أوروبا تتقدم بعد قرون من هيمنة أفكار الفلاسفة الإغريق
لكن بعض الناس من العقول المتحجره إذا سمعت اسم ابن تيمية تضحك وتستخف بأفكاره لمجرد أنه عالم دين وكأن كونه عالم دين يمنعه من الإسهام في الفلسفة والمعرفة ونقد المناهج الفكرية
صوتية عامة بعنوان:
مواطنون، لا ذميون ولا معاهدون
(كلمة عن حادثة كنيسة الكرك)
الشيخ: عبد الله بن فهد الخليفي
التاريخ: الأحد ١٤ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ، الموافق ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦م.
هذا الكلام المنسوب لشيخ الإسلام غير صحيح، بل نص ابن تيمية في الموضع المذكور يدل على عكس ذلك؛ فإنه ذكر أن الجهمية عند كثير من السلف ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة، ثم بيّن أن أصول فرق الثنتين والسبعين عند هؤلاء السلف أربعة: الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والقدرية.
فالذين وقع الكلام في إخراجهم من الثنتين والسبعين هم الجهمية، وأما الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية فهي عند هؤلاء أصول فرق الثنتين والسبعين نفسها. ثم إن هذه الطوائف ليست على مرتبة واحدة؛ فالشيعة مثلًا فيهم الغالية الكفار، وفيهم الرافضة غير الغالية، وفيهم المفضلة، كما سيأتي تفصيل ذلك في نقولات ابن تيمية.
__________
١— النقول الجامعة في أصول الفرق
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«والجهمية - عند كثير من السلف، مثل عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط، وطائفة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم - ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة التي افترقت عليها هذه الأمة؛ بل أصول هذه عند هؤلاء: هم الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والقدرية».
مجموع الفتاوى (١٢/٤٨٦).
وقال:
«وقال يوسف بن أسباط، وعبد الله بن المبارك: أصول الثنتين وسبعين فرقة أربع: الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والقدرية. فقيل لابن المبارك: فالجهمية؟ فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد ﷺ. ولأصحاب أحمد في الجهمية: هل هم من الثنتين وسبعين فرقة، أم هم خارجون عنها كالملاحدة الزنادقة؟ قولان».
درء تعارض العقل والنقل (٧/١١٠).
وقال:
«فلهذا حدث أولًا بدعة الخوارج والشيعة، ثم بدعة القدرية والمرجئة، وكان آخر ما حدث بدعة الجهمية، حتى قال ابن المبارك ويوسف بن أسباط وطائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم: إن الجهمية ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة، بل هم زنادقة».
شرح العقيدة الأصفهانية، ص١٩٩.
________
٢— الجهمية
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«بل جعلهم خلق من الأئمة - كابن المبارك ويوسف بن أسباط وطائفة من أهل العلم والحديث من أصحاب أحمد وغيره - خارجين بذلك عن الثنتين والسبعين فرقة».
مجموع الفتاوى (٢/١٤٠).
وقال:
«فإن هؤلاء هم الجهمية الذين اتفق السلف والأئمة على أنهم من شر أهل الأهواء والبدع، حتى أخرجهم كثير من الأئمة عن الثنتين والسبعين فرقة».
مجموع الفتاوى (١٢/٥٠٢).
وقال:
«وبالجملة، فقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الجهمية من شر طوائف أهل البدع، حتى أخرجهم كثير عن الثنتين والسبعين فرقة».
مجموع الفتاوى (١٢/٥٢٤).
________
٣— الخوارج
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في قاعدة عامة في فرق الثنتين والسبعين:
«وإن كان من الثنتين والسبعين فرقة، فإنه ما من فرقة إلا وفيها خلق كثير ليسوا كفارًا، بل مؤمنين فيهم ضلال وذنب يستحقون به الوعيد، كما يستحقه عصاة المؤمنين. والنبي ﷺ لم يخرجهم من الإسلام، بل جعلهم من أمته، ولم يقل: إنهم يخلدون في النار».
ثم ذكر الخوارج فقال:
«وأصحاب الرسول ﷺ - علي بن أبي طالب وغيره - لم يكفروا الخوارج الذين قاتلوهم».
ثم قال:
«بل كانت سيرة علي والصحابة في الخوارج مخالفة لسيرة الصحابة في أهل الردة، ولم ينكر أحد على علي ذلك، فعلم اتفاق الصحابة على أنهم لم يكونوا مرتدين عن دين الإسلام».
منهاج السنة النبوية (٥/٢٤١).
وقال في حكاية مذهب الإمام أحمد:
«وأما القدرية المقرون بالعلم، والروافض الذين ليسوا من الغالية، والجهمية، والخوارج: فيذكر عنه في تكفيرهم روايتان، هذا حقيقة قوله المطلق، مع أن الغالب عليه التوقف عن تكفير القدرية المقرين بالعلم والخوارج، مع قوله: ما أعلم قومًا شرًا من الخوارج».
مجموع الفتاوى (١٢/٤٨٦).
________
٤— المرجئة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة، كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه، وذكر فرقًا كثيرة يطول ذكرهم، لكن ذكرنا جمل أقوالهم.
ومنهم من لا يدخلها (أعمال القلوب) في الإيمان، كجهم ومن اتبعه كالصالحي، وهذا الذي نصره هو (أبو الحسن الأشعري) وأكثر أصحابه.
والقول الثاني: من يقول: هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية.
والثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم».
مجموع الفتاوى (٧/١٩٥).
وقال في الكلام على ما يحكى عن الإمام أحمد:
«ثم طائفة من أصحابه يحكون عنه في تكفير أهل البدع مطلقًا روايتين، حتى يجعلوا المرجئة داخلين في ذلك، وليس الأمر كذلك».
مجموع الفتاوى (١٢/٤٨٦).
وقال أيضًا:
«وأما المرجئة، فلا تختلف نصوصه أنه لا يكفرهم؛ فإن بدعتهم من جنس اختلاف الفقهاء في الفروع، وكثير من كلامهم يعود النزاع فيه إلى نزاع في الألفاظ والأسماء».
مجموع الفتاوى (١٢/٤٨٥-٤٨٦).
_______
٥— الشيعة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«والشيعة هم ثلاث درجات».
١. الغالية
قال:
«شرها الغالية: الذين جعلوا لعلي شيئًا من الإلهية، أو يصفونه بالنبوة، وكفر هؤلاء بين لكل مسلم يعرف الإسلام، وكفرهم من جنس كفر النصارى من هذا الوجه».
التسعينية (١/٢٦٣).
وقال:
«وحدثت أيضًا الشيعة، منهم من يفضل عليًا على أبي بكر وعمر، ومنهم من يعتقد أنه كان إمامًا معصومًا نص النبي ﷺ على خلافته، وأن الخلفاء والمسلمين ظلموه، وغاليتهم يعتقدون أنه إله أو نبي، والغالية كفار باتفاق المسلمين».
جامع المسائل (٥/١٥٧).
٢. الرافضة
قال:
«والدرجة الثانية، وهم الرافضة، المعروفون كالإمامية وغيرهم: الذين يعتقدون أن عليًا هو الإمام الحق بعد النبي ﷺ بنص جلي أو خفي، وأنه ظلم ومنع حقه، ويبغضون أبا بكر وعمر، ويشتمونهما».
التسعينية (١/٢٦٤).
وقال في الروافض غير الغالية، حاكيًا مذهب الإمام أحمد:
«وأما القدرية المقرون بالعلم، والروافض الذين ليسوا من الغالية، والجهمية، والخوارج: فيذكر عنه في تكفيرهم روايتان، هذا حقيقة قوله المطلق».
مجموع الفتاوى (١٢/٤٨٦).
٣. المفضلة من الزيدية وغيرهم
قال:
«والدرجة الثالثة: المفضلة من الزيدية وغيرهم: الذين يفضلون عليًا على أبي بكر وعمر، ولكن يعتقدون إمامتهما وعدالتهما ويتولونهما، فهذه الدرجة - وإن كانت باطلة - فقد نسب إليها طوائف من أهل الفقه والعبادة، وليس أهلها قريبًا ممن قبلهم، بل هم إلى أهل السنة أقرب منهم إلى الرافضة؛ لأنهم ينازعون الرافضة في إمامة الشيخين وعدلهما وموالاتهما، وينازعون أهل السنة في فضلهما على علي، والنزاع الأول أعظم».
التسعينية (١/٢٦٤).
وقال:
«وكذلك الشيعة المفضلون لعلي على أبي بكر لا يختلف قوله أنهم لا يكفرون؛ فإن ذلك قول طائفة من الفقهاء أيضًا، وإن كانوا يبدعون».
مجموع الفتاوى (١٢/٤٨٦).
— مشرف الحساب.
This quoted post is unavailable.
قضية الترحم على الكفار
[عبد الله بن فهد الخليفي]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
روى زهير بن حرب في كتاب العلم [١٣١] عن أبي عبد الرحمن: «أن عليا رضي الله عنه مر بقاص فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال هلكت وأهلكت».
أقول: الناسخ والمنسوخ بلسان السلف يشمل الخاص والعام والمطلق والمقيد، لا النسخ باصطلاح المتأخرين وحده، كما نبه ابن تيمية. فظاهر ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ القطع في كل سرقة، وجاءت السنة بتحديد ربع دينار، وأنه لا قطع في ثمر أو كثر، وغيرها من القيود.
فمن لم يجمع بين النصوص وقع في الغلط والإفراط، وكان هذا بلاء الخوارج؛ فيقرأ ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها﴾ فيكفر القاتل، ولا ينظر إلى ﴿فمن عُفِيَ له من أخيه﴾ و﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ و﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.
ونظير هذا الإفراط تفريط من أجاز الترحم على الكفار بحجة الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾. ولم ينظر في كلام مفسري السلف الذين ردوا على هذا الخطل قبل ظهوره بقرون.
قال مقاتل بن سليمان المتوفى عام ١٥٠ هـ في تفسيره: «فالطف بهما، واعصهما في الشرك فإنه ليس معصيتك إياهما في الشرك قطيعة لهما، ثم نسخت رب ارحمهما كما ربياني صغيرا، ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى». ويقصد بالنسخ التخصيص بالوالدين المسلمين.
ونقل الطبري عن ابن عباس وعكرمة نسخ ﴿وقل رب ارحمهما﴾ بآية براءة، ثم قال: «فيكون معنى الكلام: وقل رب ارحمهما إذا كانا مؤمنين، كما ربياني صغيرا، فتكون مرادا بها الخصوص على ما قلنا غير منسوخ منها شيء».
وفي تفسير ابن أبي زمنين: «تفسير قتادة: قال: كان أنزل في سورة بني إسرائيل ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ ثم أنزل في هذه الآية ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا﴾ الآية، فلا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين، ولا أن يقول: رب ارحمهما».
قال الله تعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾.
وعلى هذا إجماع العلماء، وواضح أنهم لا يفرقون بين الترحم والاستغفار. وقال النووي في المجموع (٥/١٤٤، ٢٥٨): «الصلاة على الكافر، والدعاء له بالمغفرة حرام، بنص القرآن والاجماع».
الترحم والاستغفار وشبهات آيات الرحمة
وقد قال تعالى: ﴿وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم﴾. والوقاية من السيئات تكون بالمغفرة، فظهر أن معناهما متداخل وأن النهي عن الاستغفار نهي عن الترحم.
ومن الأدلة التي أرسلها بعض الإخوة: ﴿والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي﴾، و﴿يعذب من يشاء ويرحم من يشاء﴾، وهذه تساوي ﴿يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾. وقال عن المؤمنين: ﴿والمؤمنون والمؤمنات… أولئك سيرحمهم الله﴾؛ أي لا غيرهم. وقال: ﴿وأما الذين أبيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون﴾، ولا نصيب للكفار منها، و﴿من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه﴾.
ويستدل بعض أدعياء الإسلام عند موت الملاحدة أو النصارى بقوله: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾، ويترك بقية النص: ﴿فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾. وهذا الفهم يقتضي معاني متناقضة لا يؤمن بها عاقل.
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢/٣٠٥-٣٠٦) في قول القائل: «لقد حق لي عشق الوجود وأهله»: «يقتضي أنه يعشق إبليس وفرعون وهامان وكل كافر، ويعشق الكلاب والخنازير، والبول والعذرة، وكل خبيث، مع أنه باطل عقلا وشرعا، فهو كاذب في ذلك متناقض فيه» […] «فعشق الرجل لكل موجود محال عقلا، محرم شرعا».
أقول: كلام الشيخ ينطبق على من يزعم دخول كل شيء في الرحمة؛ فإن من آذاه وظلمه وبالغ في ظلمه لا يراه داخلًا فيها. وحقيقة الأمر أنهم ألهوا أنفسهم؛ فمن أخطأ في حقهم لا يسامح، وأما من كفر بحق الله فيهونون من شأن ما صنع؛ لأنهم ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾.
إيمانك بأن النبي ﷺ رحمة للعالمين يقتضي ضرورة الإيمان بأن من لم يؤمن به ليس مرحومًا الرحمة الأخروية، وإلا فما معنى كون رسالته رحمة ومن آمن بها ومن كفر سواء في تحصيل الرحمة الأخروية؟ !
قال تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾. وليس في ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ ما يبيح الترحم على المشركين، وقد رد المفسرون المتشابه إلى المحكم.
قال الطبري في تفسيرها: «إن تعذب هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة، بإماتتك إياهم عليها» […] «وإن تغفر لهم، بهدايتك إياهم إلى التوبة منها، فتستر عليهم». وروى عن السدي: «فتخرجهم من النصرانية، وتهديهم إلى الإسلام =فإنك أنت العزيز الحكيم. وهذا قول عيسى في الدنيا».
وقول السدي ليس تحكمًا، بل يدل عليه الجمع بين النصوص؛ فقد قال المسيح: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾، وقد قال رب المسيح: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.
الإحسان والعاطفة لا يغيران الحكم
وفي صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد أن رجلًا لا يدع شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ عنا أحد كما أجزأ فلان، فقال النبي ﷺ: «أما إنه من أهل النار». ثم جرح فاستعجل الموت فقتل نفسه. وفي آخره: «إن الرجل ليعملُ بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار».
أقول: نفع المسلمين الظاهر ليس معيارًا للحكم بالشهادة، بل قد يوجد له محبطات، ومن أشد ذلك الكفر بالله. وقد بوب البخاري: باب لا يقول فلان شهيد، وذكر حديث أبي هريرة: «الله أعلم بمن يجاهد في سبيله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله»، ثم حديث سهل؛ فهذا في المظهر للإسلام الذي يقتل في معركة بين الكفار والمسلمين، فما بالك بغير المسلم!
وفي صحيح مسلم: «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها».
وقال تعالى: ﴿خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون﴾، ثم استثنى: ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم﴾؛ فخص بالمغفرة والرحمة من تاب وأسلم، والسياق فيمن ابتغى غير الإسلام دينًا.
وفي شأن الصحفية النصرانية التي قتلها الصهاينة، ترحم بعض الناس عليها ظنًّا أنها مسلمة، ولكن هناك من أصر بعد علمه أنها نصرانية، وغضب ممن ينبه على قضية عقدية في هذه الظروف! والنبي ﷺ لم يؤذن له بالاستغفار لأمه، ولا لأبي طالب، ولا المطعم بن عدي الذي أجاره من المشركين.
وقد وقع الترحم عند موت هاوكنج وسارة حجازي ونوال سعداوي، غير أن حادثة الصحفية النصرانية ظهر فيها تكلف باستدلالات باردة لا تدل على علم ولا رسوخ، وإنما على هوى مستحكم، واستعداد عجيب لليّ أعناق الأدلة واستخدام القدرة على البيان للتلبيس على الخلق في الثوابت.
وحديث بعض الناس عن العاطفة عجيب؛ فكم من مسلم له أب أو أخ أو زوجة غير مسلمين، وهم يعلمون أنه لا يصح الصلاة عليهم ولا الترحم، ولم يتذمر أحد من هذه الأحكام طوال تاريخ الأمة. كيف لو رأوا من يترحم على الكافر ويصلي عليه؟
وما بعث الله الرسل وما أُنزِلت الكتب بل ما خُلِقت الخليقة إلا لعبادة الله عز وجل وتوحيده، وكل ما سوى ذلك تبع.
وكل كافر وإن عمل خيرًا، فإن عقيدته الفاسدة، كإنكار اليوم الآخر أو أن إلهًا صُلب فحمل ذنوب الناس، تحث ضمنيًّا على الشر؛ لأنها أخف عليه من الاعتقاد بأننا راجعون إلى الله، وهو سائلنا عن كل شيء، وأن حقه فوق كل حق.
غير أن كثيرًا من الناس جعل لنفسه جنة ونارًا بحسب حقوقه والقضايا التي يراها مفصلية، ونسوا أن لله حقوقًا أعظم من كل حق، ولولاها ما كان غفورًا رحيمًا يغفر لمن يتجاوز في حقه. وهناك ما لا يغفره كالشرك؛ وهنا تتجلى العظمة والجلال: حق الله أعظم من كل حق، والتفريط فيه أعظم من كل تفريط؛ وهذا من آثار اسمه العظيم. اسم الله أعلى من كل قضية، وكل قضية تستمد عدالتها من الإيمان به ومقتضياته.
الدعاء للكافر والرضا بالكفر
في كتب الردة ألفاظ يقولها المسلم للكافر، يفهم منها الرضا بالكفر أو الحث على البقاء عليه؛ فيتفقون على تكفير قائلها أو يختلفون، مع اتفاقهم على النهي عنها.
جاء في لوامع الدرر لمحمد المجلسي الشنقيطي المالكي (١٣/٣٤٣): «ولو قال لكافر: أماتك الله على ما تختار، فالظاهر أنه إن قال له ذلك في خصومة بينهما وفي صنعه له شيئا معيبا فلا يكفر بذلك، وأما على غير ذلك كدعائه له مكافأة على إحسان فعله به فإن الذي يظهر أنه يكفر لأنه رضي بالكفر. انظر الرهوني. والله تعالى أعلم».
وفي كفاية النبيه لابن الرفعة (١٦/٣٤٠)، عن المتولي: «وكذا لو سأله كافر يريد الإسلام أن يلقنه الشهادة، فلم يفعل، أو أشار عليه بألا يسلم، أو على مسلم بأن يرتد - فهو كافر؛ للرضا بالكفر، بخلاف ما لو قال للكافر: لا رزقه الله الإيمان، أو لمسلم: سلبه الله الإيمان؛ لأنه ليس رضا بالكفر، لكنه دعا عليه بتشديد العقوبة».
وفي النجم الوهاج للدميري (٩/٨١): «وفي كتب الحنفية: من قال: لو أعطاني الله الجنة ما دخلتها.. كفر، وكذا من قرأ القرآن على دُف أو قصب أو على الإيقاع.. كفر». ولم أجد هذا النقل في كتب الحنفية التي بين يدي، وتشبهه بالقبح عبارة: «الجنة التي ليس فيها فلان لا تلزمني أو لا أريدها».
أقول: جامع العبارات الأولى الإقرار بالكفر وإغراء الكافر بالبقاء عليه. فمن دعا له بالموت على دينه مكافأة على إحسانه، فهو مقر بالكفر راض به، ويشترك معها بالمعنى الترحم على الكفار والصلاة عليهم وطلب الجنة لهم.
وقال القرافي في الفروق (٤/٢٦٠)، في صور الدعاء التي تكون كفرًا: «أن يطلب الداعي نفي ما دل السمع القاطع من الكتاب والسنة على ثبوته»؛ ومثل بقوله: «اللهم لا تعذب من كفر بك أو اغفر له»، وبقوله: «اللهم لا تخلد فلانا الكافر في النار»؛ لأن النصوص القاطعة دلت على تعذيب من مات كافرًا وتخليده، فيكون طلبًا لتكذيب خبر الله، وطلب ذلك كفر. وهذا النقل استفدته من بعض الإخوة.
من مات على الشرك جاهلًا
ومن المسائل التي تعرض لكثير من الإخوة: أن يكون له والد أو جد أقام على الشرك الأكبر، ولا يعلم هل قامت عليه الحجة؛ فهل يستغفر له؟ وجدت كلامًا لأئمة الدعوة النجدية أنقله للإفادة.
جاء في الدرر السنية (١٠/١٣٦)، في جواب لأبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحمد بن ناصر بن معمر: «إذا كان يعمل بالكفر والشرك، لجهله، أو عدم من ينبهه، لا نحكم بكفره حتى تقام عليه الحجة؛ ولكن لا نحكم بأنه مسلم، بل نقول عمله هذا كفر، يبيح المال والدم، وإن كنا لا نحكم على هذا الشخص، لعدم قيام الحجة عليه؛ لا يقال: إن لم يكن كافرا، فهو مسلم، بل نقول عمله عمل الكفار، وإطلاق الحكم على هذا الشخص بعينه، متوقف على بلوغ الحجة الرسالية. وقد ذكر أهل العلم: أن أصحاب الفترات، يمتحنون يوم القيامة في العرصات، ولم يجعلوا حكمه حكم الكفار، ولا حكم الأبرار». وكان السؤال عن دم من فعل الكفر جهلًا قبل ظهور الدعوة، مع ورود أن الإسلام يهدم ما قبله ويجبه، وأن دم الجاهلية موضوع.
وقال الشيخ حسين والشيخ عبد الله ابنا الشيخ محمد، في الدرر السنية (٥/١٥٤): «من مات من أهل الشرك قبل بلوغ هذه الدعوة، فالذي يحكم عليه: أنه إذا كان معروفًا بفعل الشرك، ويدين به، ومات على ذلك، فهذا ظاهره أنه مات على الكفر، فلا يدعى له، ولا يضحى عنه، ولا يتصدق عنه، وأما حقيقة أمره فإلى الله: فإن كان قد قامت عليه الحجة في حياته وعاند، فهذا كافر في الظاهر والباطن، وإن كان لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله. وأما سبه ولعنه فلا يجوز». وتكرر في (١٠/١٤٢)؛ فظاهره منع الاستغفار، مع عدم الحكم عليه بالنار لعدم قيام الحجة.
وقال الشيخ عبد الله ابن الإمام محمد في الدرر السنية (١٠/٢٧٥): «وأما من مات، وهو يفعل الشرك جهلا لا عنادا، فهذا نكل أمره إلى الله، ولا ينبغي الدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له، وذلك لأن كثيرا من العلماء يقولون: من بلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة، كما قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾» […] «فإذا بلغه القرآن وأعرض عنه، ولم يبحث عن أوامره ونواهيه، فقد استوجب العقاب». واستدل بقوله: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾، و﴿وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه﴾.
واعلم أن الداعي لكتابة هذا قول عبد الله بن قادري الأهدل في بحث التكفير والنفاق ومذاهب أهل العلم فيهما: «وبسبب ذلك الجهل كفرت أقرب المقربين إلي وهما الأبوان، ولم أكن أستغفر لهما…». وذكر أن والديه كانا على مذهب القبورية، وأن أباه مات وهو حمل؛ فكأنه يرى ترك الاستغفار لمن مات مشركًا جاهلًا من الغلو والجهل. وليس كذلك، بل هو مذهب جماعة من كبار العلماء، ولم أقف على مخالف على قصور بحثي، والله المستعان.
ولعل مما يعضده ما روى الطبري [١٧٣٣٢] عن ابن عباس: «فكانوا يستغفرون لهم، حتى نزلت هذه الآية. فلما نزلت، أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم، ولم ينههم أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا، ثم أنزل الله: وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه».
وروى [١٧٣٣٣] عن قتادة أن رجالًا من الصحابة سألوا الاستغفار لآبائهم لإحسان الجوار وصلة الرحم وفك العاني والوفاء بالذمم، فقال النبي ﷺ: «بلى! والله لأستغفرنّ لأبي، كما استغفر إبراهيم لأبيه»، فنزل النهي، وعذر الله إبراهيم بقوله: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾. وذكر قتادة أن النبي قال: «أوحي إليّ كلمات فدخلن في أذني، ووَقَرْنَ في قلبي: أمرت أن لا أستغفر لمن مات مشركًا، ومن أعطى فَضْلَ ماله فهو خيرٌ له، ومن أمسك فهو شرٌّ له، ولا يلوم اللهُ على كَفافٍ».
ونقل ابن كثير في تفسيره (٤/٢٢٥) قول عطاء: «ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة، ولو كانت حبشية حبلى من الزنا؛ لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا على المشركين»، مستدلًّا بآية النهي. وروى عن أبي هريرة أنه قال: «رحم الله رجلا استغفر لأبي هريرة ولأمه. قلت: ولأبيه؟ قال: لا. قال: إن أبي مات مشركا». ولم يعقب ابن كثير على هذه الآثار بشيء.
وسقط قناع الإنسانونية المتأسلمة
﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾. لما مات محمد شحرور اتهم بعض الناس المانعين من الترحم عليه بالتكفير؛ لأنه يشهد الشهادتين، ثم لما ماتت الملحدة نورهان نصار ترحموا عليها مع أنها أكفرت نفسها، وسكت المدافعون عن شحرور أو كانوا من المترحمين إلا قلة قليلة؛ فعلمنا أنه محض إنسانونية مقنعة تأخذ من الشريعة ما يناسبها وتطرح ما لا يناسب.
فلو كنت صادقًا في تعظيم الشهادتين، بحيث تترحم على كل متلفظ بهما ولو أنكر المعلوم من الدين بالاضطرار، لأنكرت التسوية بينه وبين منكرهما في الترحم، كما أنكرت التسوية في عدمه. والتسوية وجيهة، كما بين أصحاب مسيلمة وكفار قريش؛ فقد اتفقوا على إنكار المعلوم من الدين بالاضطرار، ولكنك تنكر على المانع وحده لأنه خالف الإنسانوية؛ هذا هو واقعك.
وظهرت اعتذارات عجيبة: يفرقون بين الترحم والاستغفار، ويقولون: لعله رجع، لعله تاب! وبلعله هذه يريدون معاملته كالمسلم الموحد المتبع.
ثم لما نفق قاسم سليماني مجرم الرافضة في العراق والشام وغيرهما، لم نجد حماسهم نفسه، مع تلفظه بالشهادتين، ولا الاعتذار باحتمال التوبة وسعة الرحمة وأنه ليس لأحد مفاتيح الجنة والنار. ولما مات الرافضي الماجن عندنا في الكويت، الذي أقام على الشرك نصف قرن في مجتمع يكثر فيه التسنن وإنكار بدع الرافضة، تحمس باحثون لإعذاره، ولن تجد حماسهم نفسه لمقاومة تكفير سليماني والشهادة عليه بالنار.
فباختصار: خلّدوه في النار لإجرامه بالمقاييس الإنسانوية، ثم اتخذوا الشرك ترسًا يبررون به موقفهم، وأخرجوا من يشاركه الشرك إذا كان جيدًا معهم.
وهنا أتذكر طرفة عدنان إبراهيم، وهو من أظهر من يلفق بين الإنسانوية والإسلام وهما نقيضان: الإنسانوية تأليه للإنسان، وفي الإسلام لا إله إلا الله. كفّر يزيد بن معاوية، وقرر أن القاتل خالد مخلد في النار، ورفض خلاف ذلك، ثم لما اعتذر لأحمد زويل عما فشا من تعاونه مع الكيان الصهيوني قال: هذا ذنب، ومذهب أهل السنة أنهم لا يكفرون بالذنوب!
وهكذا أهواء تتلاطم وتقنع بقناع الشريعة كل واحد يجعل هواه هو المركز ثم يذهب يستدل لهذا الهوى بما يناقض إجماع المسلمين أو يجعله يعيش تناقضات مفضوحة لكل عاقل.
هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[مادة مجموعة ومرتبة ومختصرة بتصرف من مقالات الشيخ عبد الله بن فهد الخليفي، حفظه الله]
صوتية عامة بعنوان: «من عيون أخبار الشيخ فلان!»
سجّلها الشيخ عبد الله بن فهد الخليفي يوم الخميس ٤ من ذي القعدة ١٤٤١هـ، الموافق ٢٥ يونيو ٢٠٢٠م.
#ابن_باز رحمه الله.
رسالة من الامام ابن باز رحمه الله الى الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران؛
بسبب سجين جزائري....!!!
قال عبد الله بن عبد العزيز الهدلق.
دونك هذه المأثرة : حدّثني أخي فضيلة الشيخ محمد بن عبد الله آل الشيخ -وهو الثقة الثّبْت- أن سفير المملكة السابق في فرنسا معالي الأستاذ جميل الحجيلان حدّثه قال :
اشتكى أحد السجناء الجزائريين ظلمًا وقع عليه في سجون فرنسا وطالت مدّته فيه.. فما كان منه إلا أن كتب إلى سماحة الشيخ ابن باز يطلب منه أن ينظر في حاله، فكتب الشيخ ابن باز خطابًا جاء في صدره ما معناه: من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الرئيس فرانسوا ميتران ! وأخذ الشيخ يتلطّف بالرئيس ويشرح له حال هذا السجين وما وقع عليه من ظلم..
قال الأستاذ جميل الحجيلان : فلما قرئ الخطاب على الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران ما خرج من رئاسة الجمهورية في ذلك اليوم حتى كان السجين الجزائري قد أُطلق سراحه…
هل علمتَ لم وَجَد الناس بفقد سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله قريبًا مما كان يَجِده الناس على فقد الأنبياء ؟
من مقال له بعنوان (من عبد العزيز ابن باز)
رحم الله شيخنا الفاضل بن باز
حول الاستدلال بكلام ابن تيمية في الجهمية والمعتزلة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
قرأت كلاماً لأحد الباحثين يزعم أن السلف لم يجمعوا على تكفير الجهمية لا قولاً ولا أعياناً، علماً تكفير القول يقتضي تكفير جماعة من المعينين ضرورة والأمر ليس منفصلاً بالكلية.
واعتمد هذا الباحث على نقل ابن تيمية الخلاف في اعتبار الجهمية من 72 فرقة، علماً أن الخلاف نقله الشيخ بين أصحاب أحمد وليس بين السلف.
وإليك نص كلامه ثم أبين لك ما الفرق بين قول الشيخ (السلف) وقوله (أصحاب أحمد):
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (3/350):
«وأما تعيين الفرق الهالكة فأقدم من بلغنا أنه تكلم في تضليلهم يوسف بن أسباط ثم عبد الله بن المبارك وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين قالا: أصول البدع أربعة: الروافض والخوارج والقدرية والمرجئة. فقيل لابن المبارك: والجهمية؟ فأجاب: بأن أولئك ليسوا من أمة محمد. وكان يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. وهذا الذي قاله اتبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم قالوا: إن الجهمية كفار فلا يدخلون في الاثنتين والسبعين فرقة كما لا يدخل فيهم المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام وهم الزنادقة. وقال آخرون من أصحاب أحمد وغيرهم: بل الجهمية داخلون في الاثنتين والسبعين فرقة».
تأمل قوله: (وقال آخرون من أصحاب أحمد وغيرهم) ولم يقل من السلف.
وقال في درء التعارض (7/110):
«ولأصحاب أحمد في الجهمية: هل هم من الثنتين والسبعين فرقة، أم هم خارجون عنها كالملاحدة والزنادقة؟ قولان».
حين يقول ابن تيمية (أصحاب أحمد) فهو لا يريد السلف ولا الاستدراك على إجماع السلف، فقد نسب لـ(أصحاب أحمد) يعني جماعة منهم أقوالاً هو يقطع بمخالفتها لاتفاق السلف.
فتجد في الصحيفة التي أشرت إليها من مجموع الفتاوى يقول:
«وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير المرجئة والشيعة المفضلة ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميع أهل البدع -من هؤلاء وغيرهم- خلافاً عنه أو في مذهبه حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم، وهذا غلط على مذهبه وعلى الشريعة».
فهنا الشيخ يذكر عن بعض أصحاب أحمد (بمعنى الحنابلة) الغلط على أحمد وعلى الشريعة في قولهم بتكفير المرجئة والشيعة المفضلة.
وعليه كلمة (من أصحاب أحمد) لا تساوي (السلف) عند ابن تيمية.
وحقيقة أعجب من كثرة الحديث عن التراث التيمي ثم نجد الشيخ يتكلم عن المسائل الدقيقة فيحملها الحامل على الجليلة، ويتكلم عن قيام الحجة فيحملها الحامل على الحكم بإسلام المخالف مطلقاً، ويتكلم عن الكلابية فيحملها الحامل على الجهمية الغلاة الذين ذمهم ابن كلاب نفسه، ويتكلم عن خلاف بين الحنابلة فيحملها الحامل على السلف، حقيقة القراءة الرغبوية في تراث الشيخ أمر ظاهر جداً.
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (12/524):
«وبالجملة فقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الجهمية من شر طوائف أهل البدع، حتى أخرجهم كثير عن الثنتين والسبعين فرقة، ومن الجهمية المتفلسفة والمعتزلة الذين يقولون: إن كلام الله مخلوق وإن الله إنما كلم موسى بكلام مخلوق خلقه في الهواء، وإنه لا يرى في الآخرة، وإنه ليس مبايناً لخلقه، وأمثال هذه المقالات التي تستلزم تعطيل الخالق وتكذيب رسله وإبطال دينه».
وقال الشيخ في الدرء (5/257):
«ولهذا كان السلف والأئمة يتكلمون في تكفير الجهمية النفاة بما لا يتكلمون به في تكفير غيرهم من أهل الأهواء والبدع».
ونقل الشيخ في بيان التلبيس محتجاً قول ابن مهدي:
«ليس في أصحاب الأهواء شر من أصحاب جهم يدورون على أن يقولوا ليس في السماء شيء، أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا».
فلاحظ تكفيره لهم بإنكار العلو، وحديثه عن أعيان بدليل ذكر النكاح والوراثة.
وقال عن قولهم بإنكار العلو:
«ومن علم أن قولهم مخالف لذلك واتبعه كفر كما كفرهم السلف والأئمة».
تأمل (كفرهم السلف) وهو يتكلم عن معين يُعلم فيُكفر.
وذكر الشيخ لهم الثنتين والسبعين فرقة الهالكة حيث يقول في النبوات:
«وأما الجهمية نفاة الأسماء والصفات: فإنما حدثوا في أواخر الدولة الأموية. وكثير من السلف لم يدخلهم في الثنتين والسبعين فرقة؛ منهم: يوسف بن أسباط، وعبد الله بن المبارك؛ قالوا: أصول البدع أربعة: الخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة. فقيل لهم: الجهمية؟ فقالوا: ليس هؤلاء من أمة محمد».
فهذا مع قوله المتقدم: «ومن الجهمية المتفلسفة والمعتزلة».
وأما ما يذكر عن الإمام أحمد وترحمه على أهل المحنة:
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (23/349):
«ومع هذا فالإمام أحمد رحمه الله تعالى ترحم عليهم واستغفر لهم، لعلمه بأنهم لم يتبين لهم أنهم مكذبون للرسول ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا وقلدوا من قال لهم ذلك».
وهناك فرقة الجهمية وكلام السلف فيهم كثير ونقلت إجماعات كثيرة على تكفيرهم ثم تنازع الناس في حقيقة هذا التكفير.
فمنهم من قال أنه يراد به الكفر الأصغر، وهذا كلام عدد من نظار الأشعرية الشافعية، وهذا قول باطل؛ فكلام السلف واضح في أنه الكفر الأكبر، ففي عدد من الآثار جاء ترتيب على إعادة الصلاة خلفه ولعنه والشهادة بالنار وغيرها من الأحكام التي لا تتعلق إلا بالكفر الأكبر.
ومنهم من قال هو كفر أكبر ولكن في المسألة خلاف، وهذا كلام السجزي، ومنهم من قال أنهما روايتان عن أحمد، وهذا كله غلط وباطل، بل كلمة عامة الأئمة على التكفير حتى تكلموا في تكفير من لا يكفر، وأمر الروايتين عن أحمد نقضه ابن تيمية بأنها رواية واحدة وإنما استثنى أحمد أفراداً فحسب، وهذا لا ينفي الحكم الأصل.
ومنهم من قال هو كفر أكبر وهو شامل لكل الجهمية إذا كانوا ممن يقولون بخلق القرآن، وهذا ما يوحي به إطلاقات الأئمة وأحكامهم ومدونات أهل الحديث القديمة كالسنة لعبد الله والسنة للخلال والإبانة وشرح أصول اعتقاد أهل السنة ونظائر هذه الكتب تنضح بهذه الإطلاقات.
واعترض ابن تيمية على هذا الإطلاق بصلاة أحمد خلف الجهمية ودعائه لهم مع إقراره بأن أحمد كفر معينين منهم وسيأتي ما يراه الشيخ من التفصيل.
غير أن من يراجع روايات أحمد في الصلاة يجد أن أحمد يعيد الصلاة خلفهم ويأمر بذلك، وكلامه واضح في تكفير المأمون كما في السنة للخلال لما مروا على قبره، وعليه فكلامه لا يناقض الإطلاق.
قال أبو داود في مسائله عن أحمد:
«قلت لأحمد أيام كان يصلي الجمع الجهمية، قلت له: الجمعة؟ قال: أنا أعيد، ومتى ما صليت خلف أحد ممن يقول: القرآن مخلوق فأعد. قلت: وبعرفة؟ قال: نعم».
فأفتاه بإعادة الصلاة خلف كل من يقول القرآن مخلوق، فدل على أنهم عنده كفار بأعيانهم، أو على الأقل يعاملون معاملة الكفار.
وقال أبو داود في مسائله عن أحمد (1697): «قلت لأحمد: من قال: القرآن مخلوق أهو كافر؟ قال: أقول: هو كافر».
والكلام هنا على المعين.
وقال الخلال في السنة (1708): «أخبرني أحمد بن محمد بن مطر، قال: ثنا أبو طالب، قال: قلت لأبي عبد الله: إنهم مروا بطرسوس بقبر رجل، فقال أهل طرسوس: الكافر، لا رحمه الله. فقال أبو عبد الله: نعم، فلا رحمه الله، هذا الذي أسس هذا، وجاء بهذا».
وهذا المذكور هو المأمون العباسي فإن قبره كان بطرسوس وهو الذي بدأ المحنة، فسماه كافراً بعينه مع أنه كان على التجهم ويظهر الإسلام.
فلم يقل الإمام أحمد: (وما يدريهم أنه كافر لعله تاب)!
بل أقرهم على تكفيره ودعا عليه بألا يرحمه الله.
وهذا الإسناد صحيح إلى الإمام أحمد.
وأحمد لم يلتق بالمأمون في المحنة، فإن المأمون قد هلك وأحمد في الطريق، وفي عدد من الروايات أن الإمام أحمد قد دعا عليه.
فإن قال قائل:
زعمت أن الإمام أحمد كفر المأمون وأنه لا يثرب على من يكفر من يقول بخلق القرآن، أفلا يعارض هذا عدم تكفيره للمعتصم الذي قال بخلق القرآن وامتحن الناس على ذلك، وأثر الإمام أحمد في المعتصم هو عمدة معروف عند عامة المتأخرين والمعاصرين وعليه عول شيخ الإسلام في عدد من أبحاثه؟
فأقول: الآثار السابقة دلالتها واضحة على المراد، وهي مضروبة من قبيل القياس الأولوي، فإن أبيت إلا المباحثة في هذه المسألة فاسمع ما يلي:
مثال المعتصم محل إشكال كبير على أصول أحمد بل على أصول من يشترط إقامة الحجة في كل تكفير أيضاً.
فإن قيل: كيف ذاك؟
قلت: بيان ذلك من وجوه:
الأول: أن المعتصم قد ثبت أن الإمام أحمد ناظر الجهمية أمامه ثلاثة أيام متوالية.
وكان يقطعهم ويفند شبهاتهم بالحجج البينة كما في سيرة الإمام أحمد لابنه صالح.
وهذا من أبلغ ما يكون في إقامة الحجة، بل إن المعتصم ما اشتد في تعذيب أحمد إلا بعد تلك المناظرات، وعذبه بطريقة وحشية حيث جعل الحرس يقفون في صف على الإمام أحمد كل منهم يجلده جلدتين بكل ما أوتي من قوة والمعتصم يستحثهم على الشد في الضرب، ويدعو على من يشعر أنه يتهاون في الأمر وينتهره، ومع ذلك كله عفا الإمام أحمد عنه.
فلو فرضنا أنه عامي لا يفهم وفي حيرة من أمره فالتوقف هو سبيل العامي الجاهل لا الجزم بخلق القرآن بعد كل تلك البينات التي أقامها الإمام أحمد.
فإن فرضنا أن له شبهة في قوله بخلق القرآن أفيجوز له امتحان الناس وضربهم بهذه الوحشية مع ظهور حجة أحمد على القوم المنازعين له؟
هذا أول وجوه الإشكال.
الوجه الثاني: أنه ثبت تكفير الإمام أحمد للمأمون مع أنه لم يلتق به، بل إنه دعا وفي بعض الروايات وصفه بـ(الفاجر)، والمعتصم التقاه أحمد وبين له الأدلة، فهو من هذا الوجه أولى بالتكفير من المأمون.
فإن قيل: الفرق أن المأمون عنده سبب في العلم والمعتصم عامي.
قيل: هذا له حظ من النظر، غير أن كثيراً من الناس اليوم لا يلتزمونه فيحكمون على الواقع في الكفر الأكبر مع غزارة علمه بأنه مريد للحق! وربما أطلقوا عليه من ألقاب الثناء ما يضن به على بعض أئمة أهل السنة.
والمعتصم قد علم والله المستعان.
وهذا الوجه في ترجيح المعتصم على المأمون يقابله وجه أقوى منه أو في درجته من القوة وهو مناظرة أحمد للجهمية أمام المعتصم وإفحامه لهم فيبقى الإشكال.
الوجه الثالث: أنه قد ثبت عن الإمام أحمد تكفير عدة من الجهمية أو من نسب إلى مقالة اللفظية، ومنهم من هو أحسن حالاً من المعتصم.
في سيرة الإمام أحمد لابنه صالح ص52:
«فقال لي أحدهما في بعض الأيام في كلام دار وسألته عن علم الله فقال: علم الله مخلوق. قلت: يا كافر، كفرت... قال أبي: وأسماء الله في القرآن، والقرآن من علم الله، فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن زعم أن أسماء الله مخلوقة فقد كفر».
فكفره بمجرد قوله: (علم الله مخلوق).
وجاء في بحر الدم:
«قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إن الكرابيسي يقول: من لم يقل لفظه بالقرآن مخلوق فهو كافر، فقال: بل هو كافر...».
وقال في رواية شاهين بن السميدع: «الحسين الكرابيسي عندنا كافر».
فكفره بمجرد قوله: (من لم يقل لفظه بالقرآن مخلوق فهو كافر).
بل صح عن أحمد عدم تجويزه للصلاة عليهم، بل تجهيمه لمن صلى على ابن أبي دؤاد.
قال الخلال في السنة (1762):
«أخبرني محمد بن يحيى الكحال، قال: قلت لأبي عبد الله: رجل صلى على ابن أبي داود، فقال: هذا معتقد، هو جهمي».
الوجه الرابع: أن الورع والأسلم في حال من أشكل حاله التوقف فيه.
وهناك من يزعم أن الإمام أحمد كان يجزم بإسلام المعتصم، فكيف يجزم أحمد بذلك مع كل نصوصه في تكفير من يقول بخلق القرآن ومناظرته للجهمية أمامه؟
فلو قيل أن الإمام توقف فيه لكان أهون من دعوى أنه جزم بإسلامه وترحم عليه مع علمه بقوله بقول مكفر.
فإن قلت: فما وجه حل الإشكال والروايات التي ظاهرها حكم الإمام أحمد بإسلام المعتصم أو على الأقل عدم تكفيره له موجودة بين أيدينا؟
فيقال: قد ادعى بعض الناس أن في الأمر روايتين عن أحمد وقد أنكر ذلك شيخ الإسلام، وحل الإشكال والله أعلم أن الإمام أحمد قد صح عنده ما يدل على رجوع المعتصم.
ولعل هذه الرواية توضح شيئاً من الأمر.
قال أبو نعيم في الحلية (9/214) في الخبر، وفيه أن أحمد بن الفرج قال:
«يا أبا عبد الله البشرى إن أمير المؤمنين قد تاب عن مقالته وهو يقول لا إله إلا الله».
فهذا أحمد بن الفرج احتال على الأمير والإمام أحمد معاً وأوهم أحمد أن المعتصم قد قال بقول أحمد فلعل هذا هو سر المسألة.
وذلك بين في قوله: (يا أبا عبد الله البشرى إن أمير المؤمنين قد تاب عن مقالته وهو يقول لا إله إلا الله).
والإمام أحمد حلل المعتصم ومن ضربه سوى ابن أبي دؤاد وأضرابه وذلك لأنه يكفرهم.
والعجيب أن موقف الإمام أحمد من المعتصم مع كونه شذوذ من بين مواقف الإمام أحمد من الجهمية جعله أقوام هو الأصل وتركوا بقية الآثار!
ومع ذلك يتهمون غيرهم بأنهم يتشبثون بأفراد الآثار!
وهم معترفون بأن المعتصم حالة خاصة من العامية والبلادة، فهل يقاس عليه من صار قاضياً أو مفتياً أو عالماً معروفاً بالحديث؟
هؤلاء أقرب إلى ابن أبي دؤاد والمريسي والكرابيسي والمأمون من المعتصم.
وهذه منهجية غريبة في التعامل مع النصوص والآثار.
وأما أن نأتي لشخص يقول عن المتكلمين: (زنادقة منافقون بلا ريب)، ويكفر بعض أعيانهم، وينص على أن عباد الأوثان خير منهم في باب العلو، وأنهم من أعظم الناس شركاً، وأن كفرهم في إنكار العلو أعظم من كفر القائلين بخلق القرآن، وينزل عليهم زندقة الإمام أحمد لعلماء المعتزلة، ويصرح لهم في بعض مناظراته فيقول: (يا كفار يا مرتدين يا مبدلين) وهم قضاة يمكنهم قتله، ويصرح في الدرء أن إنكار العلو متفق على تكفير الواقع فيه لأنه معلوم من الدين بالاضطرار وهذه الكلمة لا يطلقها من يريد أن يكفر أعياناً، وينص على أن الجهمية خارجين الثنتين والسبعين فرقة وهذا هو الأكثر في تقريراته، فتختزل كلمة قيلت تحت ضغط أو على جهة المعاريض أو بتأويل معين في زمن معين ويختزل جهاد هذا المرء كله في هذه الكلمة، فهذه كارثة وبعد شديد عن الإنصاف والتقوى.
[مادة مجموعة منسقة من خلال مقالات الشيخ عبد الله بن فهد الخليفي حفظه الله]
This Post is from an account that no longer exists. Learn more

















