بسام الهويمل (@bhoymal2) header
بسام الهويمل (@bhoymal2) profile picture

خلّيها على الله

Joined December 2015
Photo by بسام الهويمل (@bhoymal2)Photo by بسام الهويمل (@bhoymal2)Photo by بسام الهويمل (@bhoymal2)Photo by بسام الهويمل (@bhoymal2)Photo by بسام الهويمل (@bhoymal2)Photo by بسام الهويمل (@bhoymal2)Photo by بسام الهويمل (@bhoymal2)Photo by بسام الهويمل (@bhoymal2)Photo by بسام الهويمل (@bhoymal2)Photo by بسام الهويمل (@bhoymal2)
عصر الجمعة، رفقة شعلان🤍
2
1
24
10,963
أختلِفُ إلى الأستاذ والأديب المربّي محمد بن عبدالرحمن المقحم، مرة أو مرتين في العام، أُجدد العهد به، وبالفكر الإنساني وبالأدب العربي والعالمي، حين تمضي عليّ الأشهر وأنا فوق مطرحتي الحمراء، ممد في المكتبة وحدي، فأجد قبالته ما يُعلّلني مدة تجاه مهنة العيش المُمِلَّة. • مرة..أتيته ضحىً في يوم غائم، كانت الطيور فرِحة، وقريبة من الرؤوس، والماشية تتقافز في الأرجاء، وعلى وجه أبي عبدالرحمن أمارات الانشراح. قال لي:"يا بسام، هناك رجل في الداخل كاد أن ينصرف، لكني منعته و أصريت عليه الجلوس، وقلت له:هناك رجل تحبه، لم تلتقيه من قبل، يجيء الآن"فجلس يتحرّاك في حيرة. دخلتُ المجلس الذي على مشارف بلدة القصب-وله معنىً للغافل-فصافحت الضيوف، ولما وقفت أمام الأستاذ الأديب أحمد الشعلان للمصافحة، عرفت أنه الرجل الذي أحبني، عبر شاشة الهاتف، ولم يلقاني قبل الآن، عبر الشعاع الملائكي في خلقته.عبر تلك العينين الدامعتين الصادقة.عبر الابتسامة التي لم تنفرج قط عن كذب أو مخادعة. • الأستاذ محمد المقحم، مِن حسنات نجد وهِباتها، والحسنة بعشر أمثالها، والهبة من أسرار الله. إنني لم آتيهِ مرة، وفي مجلسه أنصاف الناس أو أرباعهم فضلا عن الدائخين، وليس هذا عن تدبير منه، فمجلسه أبد الدهر على مصراعيه بلا حاجب. لكن الرجل صار إلى درجة يتحرج معها الفارغ والذي خلَبَ َ قلبه برستيج الأنترنت المنافق، من الجلوس أمامه، لأنه سيستشعر أنه أمام جهاز كشف الكذب الذي تستخدمه الاستخبارات العالمية، ولم يكن المقحم كذلك، لكن نمط طرحه في وسائل التواصل أحدث في نفس المتلقي هذا الإشكال الموهِم. وإني أقولها الآن في ثقة رفيعة: سوف يأتي بعد قرن أو قرنين من يقول:أن محمد المقحم، لم يكن إنسانا، كان شيئا مثل نتوء في الأرض أو جبل أو مظهر من مظاهر الحياة. •تعتقد أنني مبالغ؟ إنك لم تجلس معه، وإن جلست معه ولم تستظهر ذلك في دماغك، فأنت عادي.يومي.سحابة.شيء.أو مِن براز العالم، كما يصُفكَ الألماني هيرمان هسه. • حين خرجت من مجلس المقحم، استضافني الأستاذ أحمد الشعلان في بيته، وأطلعني على بعض أفكاره ومشاريعه وما يلذ له من صنوف الفكر والأدب والهوايات وأشباه ذلك، بينما أنا كنت أنظر إليه من فوق إلى أسفل.أنظر إلى براءة الطفل في داخله، فهبط على قلبي أنني التقيت إنسانا حقيقيا، وقد مر بي عمر طويل لم أصادف فيه هذه السلالة المنقطعة، لتناسل الريف كتناسل كالأرانب!فشعرت معه بالأمان الإنساني الذي افتقدته أو سُلب مني-لم أعد أدري الآن- فجلست إلى منتصف الليل، في طمأنينة لا مثيل لها، وشرعت أتلمسه بيدي للتصديق! • أحمد الشعلان لديه ذائقه جبارة، أسعفته أن يقتحم المذاهب الفكرية والاجتماعية والحقول الأدبية لينتقي لنفسه أولا، الذي ينتفع به ويطرب له، وللبشر في بلده، ما يلفت انتباههم تجاه الأدب. التقاطات الأستاذ أحمد الشعلان وطريقته في العيش ومذهبه في الحياة يجعلني أتفكر، في مئات الكتب التي طالعتها معه، ولم أخرج منها بهذا الذوق الذي يطرحه الرجل، هل كنت أعمى حينها أم كنت أُزجي الوقت؟وهذا تساؤل صادق مؤذٍ. هذه دلالة على أن أحمد لديه نظرة صادقة تجاه الأشياء، وقد قيل:"اختيار المرء قطعة من عقله". • غادرت منزل الأستاذ الشعلان، وأنا ممتلئ بالأسماء والعنوانات، وأسمى معاني الكرم عند العرب. كان يريد الاستفادة مني لاغتراره بي، فكان جدولي لا قيمة له ولا معنىً أمام تيارهِ ومُحيطه! دونت كل شي عنه مثل تلميذ، بل مثلما دونت عن شيخي ابن جبرين و شيخي عبدالله ابن عقيل رحمهما الله، بيسوا و بافيزي و بودلير وغيرهم من النوابغ، وأخذت أجري في ساقيته لأكون في مصاف أمثاله، ثاقبي النظرة تجاه الأدب والفن والحياة، فالغيرة محمودة ها هنا ولها رونق، فتبارك الله. • إنني حين أرى الأستاذ الإنسان أحمد الشعلان، في التلفاز أو في إحدى المنصات التي لها شأن، تغمرني عدة أفراح، آخرها الفرح لشخصه، لأن الشك بيني وبينه زائل ولا معنى له، لمحبتنا. -أفرح لمشاهدة الناس، الصدق البشري. -أفرح لمشاهدتهم الحقيقة كما هي. -أفرح لرؤية الأدب والفن على السليقة. -أفرح لأن الفطرة تفوقت على الجهل. أقول ذلك كله مع أنه يحب تولستوي حبا جما، وأنا أجعل لدوستويفسكي المكانة العالية أبداً. هذه وحدها، دليل على صدقي تجاهه، ونزاهتي أمامكم، وقبل ذلك كله أمام الله جل في علاه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} ولم يكن أحمد الشعلان في يوم ما عدو لي! أحب الخير لي ولكم، فأنظروا إلى الجمال ها هنا.
كان يجمع الرسائل البريدية ويبحث عن أصحابها، حتى قادته رسالة واحدة إلى لقاءٍ لم يكن يتوقعه، فماذا حدث لأحمد الشعلان في عالم أدب الرسائل؟
8
22
2
194
56,294
(٢/١) حين ذهبت قبل أيام إلى بيت الله العتيق، بعد انقطاع دام ستة أعوام عن جهالة وإسراف نفس، تبين لي كم كنت خسيسا أثناء ما كنت في بلدتي أتقلب في الفراغ والظلام والعصيان وشتى الشرور وحدي، في عزلتي.ظلت أمي لسنوات تحرضني على الذهاب إلى الرحاب الطاهرة معها بحجة المحرَم، أو بمفردي، وعلى حسابها الخاص أيضا-المهم أن أذهب-لكني أرفض وأُشيحُ بيدي مجاورة الله لأيام معدودة، وشعاري المثل النجدي: (قال خذ خير، قال ما معي ما عون). • أجبتهم وأنا مُكره.اقتطعوا لي تذكرة ولوّحوا بها أمام وجهي كناية عن أن المسألة لا تراجع فيها، وأن الأمر أصبح حتمية تاريخية:(سوف تذهب بالقوة) ساعتها كنت أُساق كبعير في فلاة. وضعت حقيبة السفر أمامي، ودسست بداخلها ثوبين وسروالين وفنيلتين وثوب آخر سوداني أثير لدي، يشعرني بالسكينة وأن رحمة الله قريبة مني، ومقص، ومكينة حلاقة، ورواية آنا كارنينا لتولستوي. أقلعت الطائرة في موعدها وحطّت في موعدها، وفي جدة، كان السائق في انتظارنا أمام الباب. ركبنا إلى مكة الكرمة، وحين توقفنا أمام الفندق، و وضعت قدمي اليمنى فوق الاسفلت ولم أضع بعد اليسرى، ففُتحت السماء بماء منهمر، لم أشاهد مثله قبل ذلك في حدود الحرم، إلا ما كان في التلفاز. أُصبت بذهول وظللت أردد أن هذا القَطْر ليس من المصادفات، إن توقيته يشبه الابتهاج أو الترحيب، كنت أنا المقصود وحدي، ولم يكن الغرض منه غسل الأرض أو العناية بالنبات، ذلك كله جعلني في شرود عن اجراءات الدخول والحقائب و والدتي التي كانت تُطلعني على موقع الفندق وقربه من الحرم وأسماء الشوارع وما الذي أصبح أثرا بعد عين، كأنني معتمر جاء من الفلبين، وأنا خِرِّيت الحرم وأزقته. • صلينا المغرب في الفندق لضيق الوقت.أمسكتني أمي بيدي مثل طفل في الصف الثاني الابتدائي، تخترق بي الجموع، تقودني إلى باب الملك فهد، لأداء العمرة، ورأسي كله مكتسٍ بالشيب. حين رأيت الكعبة زادها الله شرفا، اعتملت في صدري مشاعر يصعب التعبير عنها كتابة، هي خليط بين الدموع والاعتذار والشكر والضعف والندم والرجاء، فلما أذّّن العشاء، صلينا واتفترق كل منا في المسعى، أنا على قدم وساق وهي فوق عربة كبار السن، نلهج: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ﴾فلما أنهينا العمرة، وكانت هينة يسيرة طيبة، ذهبت إلى الحلاق حافيا، ثم عرجت على آيسكريم العاصمة لتبريد جوفي، وهذا تقليد شائع في العمرة يكاد يُلحقهُ العلماء بالمتون الفقهية. • في الثالثة فجرا، وعلى غير العادة، ارتديت ثوبي وشماغي وتطيبت.ركضت إلى الله حافيا، وأنا أشعر به ينظر إليّ فوق عرشه، منكسا رأسي، وبصري إلى أسفل إلى أن اتخذتُ موضعا لي بين جموع العبيد. أذن المؤذن بصوت حجازي شجي فيه شيء من الاعتدال بين الحزن والفرح، وأنا أستمع إليه في سعادة أهل الجنة، وحين جاء على: "أشهد أن محمدا رسول الله"أخذت مشاهد السيرة المحمدية تعبرُ أمامي!شروق شمس البعثة النبوية، وبلال فوق الكعبة يؤذن، والصدّيق يناقش أهله في الإسلام، وعمر غاضب، وعثمان يُقِرُ لأبي بكر بفساد عبادة الأوثان، وعلي يتّقد وجهه بنور الإسلام. صلنا بنا الفجر الشيخ ياسر الدوسري، وهذه هي المرة الأولى التي أقِف خلفه، فقرأ سورة الأحقاف: {حمٓ ١ تَنزِيلُ ٱلْكِتَبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ٢ مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚوَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَمَّآ أُنذِرُوا۟ مُعْرِضُونَ ٣}. فاعتراني ما يعبر به البعض الآن:"كأني أول مرة أستمع إلى هذه السورة"أما أنا فكنت كأني أول مرة أستمع إلى هذا القرآن.إلى هذا التقرير بالجهل الذي يغمر الإنسان حين يعرض عن إفراد الله بالعبادة. فلما قرأ الإمام{حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت اليك وإني من المسلمين}ها هنا أصابتني رعدة ولم يعد جذعي يقوى على الصمود وكدت أن أسقط بين المصلين، ولكن الله قواني. فأنا في الثالثة والأربعين ولم أشعر قبل ذلك بالمسؤولية تجاه أي شي ولا عن نفسي، والآن يخبرني الله أن حياتي يجب أن تتخذ شكلا جديدا، فمرحلة الإعذار ولَّت إلى غير رجعة، والذي لا يفهم في سن الأربعين، في الغالب أنه لن يفهم في عمر الستين، لأنه استحال إلى دابة لا عقل لها. حين فرغت من صلاة الفجر، لم أقرأ الأذكار، صرفني عنها عقلي المضطرب، عقلي الذي لم تمر به مثل هذه الإشارات اللطيفة والمعاتبة الصريحة، في آن واحد قبل ذلك.طاف بخاطري أن الله جاء بي من الرياض إلى الكعبة، ليس لأجل أداء العمرة، بل لأستمع إلى هذه الآية الكريمة وحدها ثم أعود من فوري فلا معنى لبقائي إن أردت ذلك.لقد كان يخاطبني مباشرة عبر قصة الرجل الذي بلغ أربعين سنة، وأفاق فجأة، فأخذ يعترف بجهالته ويبتهل إلى الله. ..يتبع
245
552
77
2,679
649,265
(٢/٢) شرعت أتفكّر في الأربعة أيام التي قضيتها بجوار الله، وأنا أمام أحد القهوات أشرب الشاي التلقيمة، وبجواري عشرات الطاولات يجلس إليها أُناس من أندونيسيا و طرابلس ونواكشوط أذِن الله لهم بالمجيء إلى بيته الحرام، مثلي، فاستقر في خلدي أن الله هو الذي لم يأذن لي بالذهاب إلى كعبته المشرّفة، ولست أنا الذي كنت أرفض القدوم، وأن الحجج التي كنت أسوقها، من محض خيالي وسذاجتي.فكل أقداري بإذنه، ليس لي أو لمخلوق يد فيها، وما نحن إلا أدوات بيد القضاء، على مذهب(واعلم أن الأمة لو اجتمعت)وأخصّ هذه الأقدار ما يتعلق بالعبادة والقُربى. على سبيل المثال: ولادتي في جزيرة العرب وفي أسرة صالحة:إذن، إفراد الله بالعبادة:إذن، طردي من المنزل وقت الصلاة:إذن، ذهاب أهلي بي إلى معلم القرآن:إذن، قراءة الكتب في الطفولة الأولى:إذن، التحلّق حول المشايخ في المساجد:إذن، قراءة القرآن:إذن، الاستغفار والتسبيح والتهليل والتكبير:إذن وإلهام. هذا السماح من الله، شكل من أشكال التربية، يكون في المستقبل محطة للتأمل، حين تقف القدم بمحاذات الشرور مدة، لغياب العقل. أخذت أتقصى مسيرتي في الأربعين عاما، حتى غاب كل شيء أمامي عن ناظري، وبقيت وحدي بين مئات الألوف من المعتمرين أُقلب بصري في فراغ أبيض لذيذ، وعلى خلقتي ترتسمُ ابتسامة. قلت:أليس الإذنُ، من محبة الله لعبده؟ • ونحن في المطار في طريق العودة، أصابتني حمّى شديدة والتهاب في الحلق، قالت لي أمي: لماذا لا تذهب إلى المستشفى؟ -قلت:لن أذهب.عارض هين، عما قريب أُشفى. كنت أعلم أن المسألة لم تبدأ بعد، وجال بخاطري أن أجعل هذه الحُمّى تنقّيني من ذنوبي وبلاياي طيلة أيامها، فلقد رأيت نفسي بين عشية وضحاها سلفية على مذهب الزهاد الأوائل، الذين لا يكتوون ولا يسترقون، قادرة على الصمود مدة، أمام جيش الفايروسات والبكتيريا، لكن عودي كان من اللّين بمكان، فسقطت صريع الحُمّى حتى كادت روحي تزهق، ولم أنتفع بهذه البسالة. أشتدت بي الحمّى وتراوحت درجة حرارة جسدي بين التاسعة والثلاثين والأربعين، حينها كنت وحدي في البيت وأهلي خارج البلدة، ممدد فوق فراشي داخل المكتبة صباحا، فأخذت أعي الدنيا لحظات وأغيب عنها لحظات أخرى. فجأة..خيل إليَّ من فرط الألم الجواني، أنني ممد في قبرٍ وفوق رأسي أحدهم لم أتبين خلقته، يحمل حجرا في حجم البطيخ ويلقيه فوق رأسي، ومن شدة الارتطام أقوم وأنا أصرخ-حقيقة-وأسأل في استغراب أين أهلي عنّي، وأشرع أشتمهم واحد تلو الآخر، لأنهم تركوني بمفردي للعجزِ والألم والخوف، فبكيت عن وعي أو عن غياب وعي-لم أعد أدري الآن-ومر أمامي قول الله:﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾حين تكرر ضرب رأسي غير مرة بالحجر الضخم، ضاق صدري لأن الساعة لم يحن موعدها بعد، ولم أعد أتحمل الألم، وفوق هذا الأسى كله، قلت:كيف عذاب الآخرة مع هذه الحجارة؟ أفقت بعد ساعة من الزمن وأنا أطفح بالعرق وجسدي يرتجف، وليس في ذهني غير قول النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها: "زملوني..زملوني"فالنبي، رأى شيئا لا طاقة له به ولا تصور له عنده، وهذه طبيعة الغيبيات حين تعرض على المخلوق حقيقة أو عبر الرؤى.ومع ذلك، ألقيت هذا الضرب بالحجر خلف ظهري، وألصقته بالشيطان الذي يريد أن يغمرني بالحَزَن، وقلت: هل يراعي الله خوفنا من ماضينا القبيح؟ • عافاني الله مما ابتلاني، الحمى وآثارها، فلزمت المسجد ذُلا وخوفا بعد الرعب الذي رأيته في مرضي، فلا طاقة لي بالرجل ولا بالحجارة التي كان يُلقيها فوق جمجمتي، أذهب إلى الله في بيتهِ منتعلا وفي الفجر حافيا، خشية الناس، فلم تعد السنة في الأفهام كما كانت قبل نصف قرن، أرتدي ثوبي السوداني الأثير، وشماغي الذي لم أكويه منذ عودتي من مكة المكرمة، لأنني رأيت هيئتي في المرآة تدعو إلى الشفقة، فقلت لعل الله يلطف بي بحسب منظري، والمنظر شيء، ورحمته وسعت كل شيء، وإلى الله ترجع الأمور. هأنذا أعيش، أياما زاهية راقية، على ما في حياتي من مسائل مستقبلية تقلقني أشد القلق، فأضيق بها حينا وأستسلم لها في أحايين كثيرة، وأجعلها في خانة:(إن من الذنوب ما لا يكفرة إلا الهم)وإن طاش عقلي لحظة قلت في هدوء غريب: هذا قدري وعليّ أن أرضى به، أو كما قال العم دوستويفسكي في رسالته إلى أخيه ميخائيل في منفاه-مع الفارق-:"هذا صليبي وسأحمله معي إلى قبري"كناية عن رضاه بالقضاء والقدر. ..وبعد لَكَ الحَمد يا مُستَوجب الحَمد وَالثَنا وَيا مَن بِنا فَقر لَهُ وَلَهُ الغِنى إِلَيكَ اِلتَجَأنا في الشَدائد فَاِنمَحَت وَكان لَنا في بابك الأَمن وَالمُنى قَصَدناك في كُلّ الأُمور فلَم يَخب بِجَدواك يا رَبّ البَريّة قَصدنا تَكرَّمت بِالحُسنى وَألهمت شُكرَها فَشُكرا عَلى شُكرٍ وَلا زِلت مُحسِنا
91
105
3
587
63,284
كيف حملتُ القلم، للكاتب والروائي السوري حنّا مينه، مِن قراءات العام ١٤٤٥للهجرة، لكني لم أكتب عنه آنذاك، مخافة أن يتُوه هذا العنوان الأصيل في معمعة العنوانات التي تتحدث عن القراءة والكتابة وأشباه ذلك، أيام موضتها.وبعد أن تجدد الهواء طاف بخاطري أن أتناوله الآن، عبر ما علق بالذاكرة وعلى سبيل الانطباع الشخصي، وأنا صريعُ الحمّى! • عرفت حنّا مينه عبر روايته الشراع والعاصفة، ولم أستطع أن أتماهى مع موضوع الرواية ولا أسلوبه في السرد، فلا أنا أحب البحر، ولا أطيق صبرا على وصف الأشياء في عدة صفحات وهذا شائع في أعماله، فضلا عن مسحة الحزن.فهجرتها إلى نهاية رجل شجاع و الشمس في يوم غائم، ثم توقفت عن مطاردة الجانب الروائي فيه إلى الأبد. راق لي حنّا في العنوان الذي أمامكم في الصورة، إلى الدرجة التي ظننت أنه لا يمت إلى الروائي لا من قريب ولا من بعيد، فقد استفتح الكتاب بسنوات طفولته البائسة والفقيرة، بشيء من المرح والفكاهة، على ما فيها من ألم ممض، ثم عرّج على سبب اختيار العنوان بذكر قصة طريفة جرت في طفولته، ثم أخذ يتناول والده و والدته وأسرته ومدينته ورجالها، إلى حين تشرده في الصين لعشر سنوات، لا طلبا للعلم بل للخبز! يسرد كل ذلك في حِمى العنوان الذي وضعه، دون أن يحيد، إلا ما اقتضته الحاجة، وهذا عزيز. • حنّا مينه في هذا العمل يضع عنوانات عريضة مثل: -الأديب والمعاناة..والموهبة. -الأديب والشباب..والحس التاريخي. -الأديب والنقد. -الرواية والحياة والواقع والانعكاس. ..يكتب عنها ويضمنها سيرته الأدبية أو الفكرية عبر السنين والتلقّي، في أسلوب ناصع ومفردة أنيقة، تضطر القارئ إلى أن يتفكّر مئة مرة: كيف لهذا الكاتب الذي لا يحمل غير الشهادة الابتدائية وعمل حلاقا في طفولته، وكانت أمنيته أن يمتلك جزمة تقي قدمه حين يخوض المستنقع، أن يصدر عنه كل هذا الإبداع، بينما مئات الألوف من الدكاترة هذه الأيام لا يفرقون بين القلم وبين أعواد الأكل الآسيوية؟ومع ذلك، كان حنا يفتخر بهذه الشهادة الوحيدة، ويعتز بتجربة المنفى والسجون والعصامية والتخرج في جامعة الطريق. • ما لفت نظري في هذه السيرة الأدبية، أن الرجل لديه اطلاع مروّع ومخيف، على مدارس الفكر والأدب العالمي، خاصة ما يتعلق بالحالة الروسية. فلقد وجدت القوم كلهم ها هنا: تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف وغوركي ولينين وكوبرين..وعدد ما شئت من الرجال. الورق يطفح بدقائق مطالعاته عن الروس لا على سبيل الإخبار أو التبجح، إنما على سبيل الاستشهاد أو دعم الآراء التي يتمثلها هو في ذاته أو أدبه، وقد كان ماركسيا على مذهب الشيخ لينين. ذلك كله يجعل المرء يتساءل نحو هذه الشخصية العظيمة، كيف لها أن حوت كل هذه المعرفة، ثم لا تجد لها هذه الأيام نصيب من الذكر أو الإشادة؟ • يتضمن الكتاب أيضا مجموعة حوارات أُجريت مع حنّا مينه في أعوام متفرقة، لا تخرج بحال عن مناقشة أعماله الروائية أو الحديث عن أفكاره تجاه السياسة والاجتماع وأشباه ذلك. في رأيي أن(كيف حملت القلم)سيكون اكتشافا رائعا لبعضكم حين يطالعه في خلوّ البال. ..قراءة ماتعة🌷
5
20
2
86
24,853
ظلَّ كامل بيه الشناوي، عمرا مديدا فوق الرفّ، رفقة عشرات الرجال العظماء في الحياة، دون أن تمس يدي عمله الضخم، المسمى(اليوميات). كنت مشغولا إلى شوشتي، أُطالع الروايات والكتب السخيفة التي تلذ لي، لأنها تغمرني بالخِدر والضحك في آن واحد، فأستلقي على قفاي وقد تشنجت أعصاب فكي، كمن مضغ لبانةً مدة نصف يوم وأصبح جاهزاً لدخول مسابقة تخص العضّ. • لا يمكن لإنسان سليم الفطرة، إلا أن يُحِبّ كامل الشناوي بعد أن يقرأ له، أو يقرأ الذي كتبه عنه أصحابه الظرفاء.كل يذكره بالخير والجمال والفن والأصالة والكرم والوسوسة وسعة القلب. كان كامل الشناوي من ملوك الكلام، ومن أساتذة المقالب التي سارت بها الركبان والراجلة، يساند العبقري ويساند الغبي في آن واحد، وهذه لفتة شديدة البراعة منه، تُشير إلى عدله ومساواته وأخلاقه وفهمه الحياة ، وأن الخوف كل الخوف، لا يأتي إلا عبر ذاك المخلوق الواقف في المنتصف، الذي لا هو ذكي ولا هو حمار أصيل النسب. حين تمعنت في اسم الأستاذ كامل الشناوي، وجدته يقطر حلاوة، اسم يذكرني بالأزمنة الجميلة، هذا الاسم وحده، يكفي أن يكون أسفل قصيدة غزلية، أو أسفل قطعة أدبية، لِيُحلّق بالنص المكتوب إلى جوف السماء، فهنالك أسماء مصرية عرفنا أن لها قيمة ومعنى داخل مصر، عبر السينما والتمثيليات، مثل عائلة الشربيني وعائلة الخولي وعائلة الدسوقي وعائلة الشرقاوي، هذا على سبيل المثال لا الحصر وفي الكل خير وزيادة. حين فرغت من الاسم، وقعت في دباديب هيئته الظريفة، الطافحة بالإيمان والخيرية والصدق، وبالكاد انتزعت عيني عن سرَحانها فيه! كان شكله ريفيا في صميم، وعصريا في صميم آخر، فلا حرج أن يكون عمدة لمركز السنبلاوين في مديرية الدقهلية، أو أن يكون مديرا لمعهد خاص بالفنون في الجيزة، ذلك كله يتناسب وهيئته النصف نصف، وإن استعانوا به في فيلم قائم على بث الرعب والفزع في المُشاهد، سيبرع في ذلك. لكنه اختار ما تمليه عليه طبيعته ويقوده إليه ذوقه، ففضَّل الأدب والشعر والعمل الصحفي، والهيام على الوجه والنوم في النهار والسهر إلى الفجر، وأن يحتسي ثلاثين فنجانا من القهوة كل يوم، وأن يتلفَ رئته بمئة وعشرين سيجارة(٦بكتات-خراطيش)وألا يكترث لحالته الصحية ولا إلى نصائح أصحابه الأطباء، وأن يموت عن ٥٦ عاماً، مخلفا وراءه: اليوميات واعترافات أبي نواس، والليل والحب والموت، وقصائد بصوت محمد عبدالوهاب و عبدالحليم و فريد وأم كلثوم ونجاة الصغيرة، وأجيال من البشر تعاقبت على محبته وتفضيله. ومع هذا وذاك، كانت أُستاذية كامل الشناوي وشخصيته، أكبر من جميع أعماله التي نشرها أو التي جُمِعت بعد رحيله، إذا نظرنا إلى هذا الكم المواهب التي أبرزها أو قام بإزالة الغبار عنها، لقد كان الشناوي مظهرا من مظاهر الحياة الجميلة. • وكعادة الكبار في شؤون الحياة، ما لهم وما عليهم، وما للحياة الخاصة وللحياة العامة، أو ما يسميه المتصوفة الجواني والبراني..جاء مظهر اليوميات على نحو ما، يختلف عن الحياة التي عاشها كامل الشناوي بين الناس، ففيها بث همومه وآلامه وخيباته واغترابه، وافتقاده السعادة بمرور العمر، كحديثه عن المشيب وعن غدر الذين أحسن إليهم أو احساسه بالوحدة، وخِلقتهِ التي لا ترتضيها الجميلات، وأشباه تلك الموضوعات المُحيّرة، التي يقع في شباكها الإنسان المُسالِم. لكن الحقل الذي تنتمي إليه اليوميات يشفع للكاتب أن يلقي ما فوق ظهره على الورق ليتحرر من الكآبة والمسغبة، ليستطيع مواصلة العيش. يذكر بعض أصدقاء إميل سيوران، الرجل الذي حين نشاهد صورته على الأغلفة، نظن أنه ينظر إلى مقبرة جماعية أو إلى حريق شب في منزل أيتام، يذكرون أنهم كانوا يتناوبون في الليلة الواحدة على باب الحمام، وهم في حضرته، خشية أن يتبول أحدهم في ملابسه، بسبب حالة الضحك التي يصنعها هذا الروماني المعذّب بداخلهم. انظروا..لقد كان سيوران مرحا إلى درجة التبول، وهذه مرتبة رفيعة لا يصل إليها أحد لم يحب الحياة والبشر في يوم ما، لكنها الآمال والظروف القاهرة. • غاب كامل الشناوي وغاب أحمد بهاء الدين وغاب محمد التابعي وأمثال هذه القامات الكبيرة، ولم يعد يُرى فوق الثرى غير حثالة كحثالة التمر والشعير لا يُبالي الله بهم ولا الناس، لمهانتهم ولمقاصدهم الشريرة، اللهم إلا فئة قليلة مغلوبة. ويا أسفي حين تكون الحياة على هذه الصورة البشعة، ويضطر الإنسان إلى النظر إليها في الصباح، ويستفرغ القرف المصفّى في المساء. ..ألف رحمة ونور عليك يا كامل بيه الشناوي.
5
11
74
21,083
لا تثق بعقل إنسان يرتدي شماغ أحمر غامق.
198
16
13
124
80,332
حين تكون جميع تنقّلاتنا عبر السيارة والقطار والطائرة، نكون قد خسرنا صداقة الطيور والقطط.
6
3
60
12,238
لأنَّنا نخشى الفراق نَعِدُ بعضنا البعض بالتلاقي مرةً أخرى لا بأس..لا بأس يا حُبّ لولا الفراق كيف كنا سنَعود ونغسِل كل تلك الدموع؟ -مان هاي.
1
4
45
11,223
وصلت حالة السعار إلى ثلة من الأطباء، فأخذوا يتسابقون في مظهر(المشافيح)إلى نفي أو إثبات، ما هو معلوم بالفطرة أو التجربة أو الدراسة. كأنهم أولئك الطفيليون الذين يتسابقون إلى قاعة الطعام للجلوس في المكان المخصص لكبار الشخصيات والوجهاء، أو كأنهم الملاقيف الذين يتشممون الأخبار لإذاعتها بعد تبهيرها، هكذا يعاملون الكاميرا ومواقع التواصل، فبات مشهد دراسة الطب وسنوات الخبرة في العيادات وغرف العمليات في أسفل سافلين، ولا يختلف عن منظر مَن يقف داخل دكان عطارة في سوق شعبية. وطائفة منهم وهي الأخطر بالنسبة لي، يأخذون يبثون عن سفه مستغرب، أوقات الجلطات القلبية و سكتات الدماغ، وأنها بين الساعة كذا وكذا، بحسب الخبرة العريضة واستطلاع منظمة الصحة العالمية، بينما هي بحسب قلة العقل والدراية. • منذ أسبوع كامل وانا أنظر في ساعتي-التي ليست الكترونية-تحيط بمعصمي الأيسر، الأوقات التي عيّنها هذا الطبيب المشهور-سامحه الله-أنتظر متى تحل بي الجلطة أو السكتة الدماغية، لأن الله ابتلاني بالتدخين وشرب الشاي بالسكر والسهر إلى الفجر أقرأ أو أكد ذهني بالكتابة عن الحياة والأشياء، كأي إنسان عادي فوق هذه الأرض. فلم يعد نهاري نهار ولا ليلي ليلٌ أرتاح به كما كنت في السابق، خاصة وأن نغزات بداخلي شرعت تتخطفني كالبرق، بين حين وآخر، من الأسفل إلى الأعلى فأظن أنها النهاية، فأبد بالوضوء ثم الاستغفار وتجديد الإسلام، وصلاة ركعتين لعلي أموت ساجدا، ولكني لا أموت وأبقى على قيد الحياة إلى يوم غد، لتتجدد أتعابي وأوهامي، وليكتسي خوفي خدعة جديدة! إنه شيء يشبه أن تكون معافاً، فتقرأ وصفة طبية فتمرض من فورك.كأنما اقتَحَمْك الفايروس بين فقرة دواعي الاستعمال وعدد الجرعات! • إنني لم أعد أقدر على مواصلة الوضوء وطلب المغفرة والنطق بالشهادتين وصلاة ركعتين بعد كل نغزة تُلم بي، فهذا كثير وفيه حرج بيَن. سيصير يومي كله على هذا النحو لأنني أعاني القولون ومرض السكر والتلبك المعوي، ولديّ قبل ذلك حياة لأعيشها ولا أريد-لا مؤاخذة-أن أكون إبراهيم بن أدهم، أو الحارث المحاسبي. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في البخاري عن أنس:"يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، وبَشِّروا ولا تُنَفِّروا"وكان الناس في الماضي يزورون المُشرف على الموت فيقولون له:"طيب..طيب، ما بعد التعب إلى العافية"عن ذوقٍ وتسلية لخاطرة. بينما بعض الأطباء عندنا يزفون الشر وقتل المعنويات ويبثون الوسوسة غير المعتدلة وكأنهم يقومون بملحمة بطولية. خرجوا من العيادات إلى فراغ الشاشات، وخلعوا البالطو الأبيض ليرتدوا بدلا منه وشاح دراكولا، وعلى وجوههم نظرة ابتزازية خالية من الشفقة، ويتحدثون بكلام لا يختلف أثره في النفس عن أثر السموم في الأعضاء. أعلم أنني سوف أموت أيها الطبيب.هذه النهاية هي الحقيقة الثابتة في شريط الحياة، لكنني لا أريد أن أنتظر الموت.أريد أن أنتقل إلى الدار الآخرة بشكل مفاجئ دون خوف، أو على نحو بطيء لأبكي أمام الله بجميع أعضائي وسيرحمني الغفور. إن انتظار الموت أيها الطبيب، موت ثانٍ لكنه على قيد الحياة، وما أتعس هذا الانتظار الكئيب. • تساءلت، ما الذي الذي يحرض الطبيب إلى هذا المسلك، وقد كان المجتمع يراه هو وكبير السن وإمام الجامع والمعلم في مقام إجلال واحد؟ فطاف بخاطري: ١.يظن أنه يصنع دعاية لنفسه أو لعيادته. ٢.غيرته السالبة من البطالين والمهرجين. ٣.الشعور بالدونيه حين يقضي وقته خارج العمل، فهو لا يشعر بقيمته كإنسان إلا وهو يضع حول رقبته جهاز جس النبض، ولم يقل أحد ذلك. ٤.انتكاس المفهوم حول معنى الفائدة وفضول الكلام. ٥.ممارسات غير جيدة، قاسية أو غير محترمة يتلقاها من الجهاز الإداري، تُشعره باليأس. ٦.لم يولد ليكون طبيبا. • أيها الطبيب، يا صديقنا القديم، يا صاحب المهنة العتيقة، إياك إن تنجرف خلف الهراء، فإنه لم يتبقى لنا هذه الأيام سواك وصديقنا المدرّس. -كبير السن خرج للناس بسروال وفنيلة يرقص. -إمام المسجد يعامل نفسه أنه مصطفى إسماعيل أو الشيخ محمد رفعت، أمامه جيش من كاميرات الديجيتل تنقل للعالم جمال محرابه، ولون مشلحه، وأناقة مظهره وهو يبكي بخشوع صادق. أيها الطبيب: دع لنا هذه المهنة الراقية وصاحبها، كما عهِدتها البشرية منذ الخلق الأول. أيها الطبيب.. يا صديقنا القديم.. ..سلام الله عليك🤍
17
27
4
106
30,069
تأملت الحالة الثقافية والفنية المصرية، من العام ١٩٣٠ إلى العام ١٩٩٠ فرأيت ما يعجب له المخلوق. كانت هناك سمات ظاهرة على المصريين، يندر أن تجدها في أمة عربية أخرى، وهي: ١.حب مصر، على علاتها. ٢.احترام الجيل القديم أو تقديسه. ٣.الاحتفاء بالأذكياء والأغبياء والدراويش على حد سواء، ونبذ الثقلاء، والقفز فوق أوجاع القدر بالنكتة والرِّضى، وقلب القرف، إلى شيء ممتع. ومع سوء أيام هذه التواريخ المذكورة آنفا، إلا أن المصريين استطاعوا النجاة بجلودهم من أنيابها وأظافرها. • بالنسبة للسمة الأولى، ومع أثرها السيء في المستقبل كما هو مشاهد، إلا إنها استطاعت بناء ثقة لا تتزعز داخل وجدان الفرد المصري تجاه بلده.عبدالناصر يُسحَق، لكنّ إنسان الشارع لم يتقبل الخسارة، بل ويكذبها. رأسه مرفوعة إلى السماء، ولم يتشرب أي نوع من أنواع الهزائم، وأخطرها تلك التي يسمونها الهزيمة الداخلية، لأنها تُدفن مع الإنسان! لقد وحدت الحروب العسكرية والاضطرابات السياسية، المصريين وجمعتهم، وهم لا يجتمعون على شيء غير حب أم الدنيا.وهذا ما لا أجده عندنا على تنوعنا المناطقي والثقافي، فقد أرتبط مفهوم محبة البلد، بالمنفعة المطلقة، أو النفاق، أو الخوف.لذلك، لا أستغرب حين ينعق أحدهم مِن دولة ما في الكوكب، ويجد له مئة ألف أُذن تصدّق(خرابيطه)وتُعيدُ إذاعتها، وكأنها وحي منزل أو دراسة محققة عن أرقى جامعة.بينما هو دجل لا تصدقه البهائم.في منطقة الخليج هذه، سأستنثي الإنسان الكويتي، الذي أحبَّ أرضه بما أُوتي من مشاعر، الكويتي الذي يقول ولد بطنها، وأُمنا الكويت، وأشباه ذلك التغنّي. ..لدينا إشكال يجب أن يُعالج. • أما السمة الثانية، فلا يستطيع أعظم قاص أثر أن يجد مواطيها فوق أرضنا.باستثناء الشيوخ الشرعيين الذين فهموا من قديم معنى القدوة والكبير وأن يكون لك سلف، ويظن بعض الأغبياء من قومنا أنها وصاية أو أبوية! صنّف الشيوخ في هذا المسلك، ومنذ مئات السنين، أجمل المؤلّفات التي تدل على رقيهم وفهمهم الحياة الثقافية التي يجب أن تُعاش، كان آخرهم الشيخ بكر أبو زيد عليه رحمة الله. فالمعرفة ليست معلومة والسلام.لا..لا. إنها قبل ذلك: هرمية إنسانية.سمت.أخلاق بشرية ومشاعر. دموع وضحكات صادقة.مسؤولية اجتماعية. فرأس الأمر المعرفة، وعموده الأدب، وذروة سنامة نشر الثقافة والتحريض نحوها.في دنيا الأدب، انقطع مصطلح(الكبير)في ما أحسب، بعد وفاة الشيخ المتفنن حمد الجاسر عليه رحمة الله. وأنا هنا لا أتحدث عن الأكاديميين والنقاد، فهؤلاء موظفون وأغبياء. قال لي أحد الناس مرَّة: "يا بسام، الذي يريد الانتشار، عليه أن يذهب إلى مصر"يقصد:الظهور في الأدب أو الفن أو السينما. هذا الرجل، فهِم المسألة مبكرا، مثلما فهمها معالي تركي آل الشيخ، ومِن قبله الأمير عبدالله الفيصل. على سبيل المثال:لدينا الأستاذ داود الشريان والأستاذ بدر الخريف-شفاه الله-لماذا لم يتعلّم منهم الإنسان السعودي؟هؤلاء في المهنة، يُخيفون القط السود الذي يروّعنا في المطابخ في الهزيع الآخر من الليل، لكنهم للأسف، بلا عنوان! الخريف والشريان، لديهم سمات مصرية عميقة، منها الثقافة العريضة، والشخصية الظريفة، والفهلوة المضبوطة، ويتعاطون التتن والشاي. دائما ما كان للمصريين أكابر في كل حقل وفن، بابه لا يغلق إلا بالموت، يمنح الفرصة للقادم، بالمشورة أو التوصية أو الأمر المباشر، وجودة العمل، هي من تقرر البقاء أو المغادرة.لذا نجد الإنسان العربي حين يشتهي البروز، يقصد مصرًا، والشواهد لا تنقضي. ..ها هنا مشكلة، يجب أن تُطَبّبَ. • أما السمة الثالثة، فهي في هيئة حكاية قصيرة: صديقنا الكاتب المصري، محمد بيه الهجين، خرج من مصر قبل أعوام وهو في مطلع العشرين ليتغرّب عن إكراه، عن النيل وعن وسط البلد وعن كبري عبدالمنعم رياض.تقلب في البلدان واستقر أخيرا في قطر الحبيبة.حين أتصلُ به ألمس في ثنايا صوته، الحنين المؤذي إلى أم الدنيا.هذا الشوق، جعله يفقد الخصيصة المتمثلة في المرح والإضحاك، فالمصريين، ملوك الكلام. وأنا هنا لا ألومه ولا أذمه ولا أنتقده فهو من أحب الناس إلى قلبي، لأنه لم يجد هناك من يستثير فيه غريزة الظرافة الأصيلة.أدخلوه الخليجيين في دوامتهم المريرة، لأنه يعيش بينهم، حيث ثقل الطينة، واستحضار النكد، والحرص على مجالسة الصالحين والمحامين، والخوض في مسألة الأسهم والعقار، واستثمار الوقت في تطوير الذات، وأمثال هذا الهلس الفارغ، والضياع المُقيم، كأننا ولِدنا كهولا. محمد بيه عبدالعزيز كان في حاجة ماسة إلى الجلوس في قهوة محمد عبدالله التي في الجيزة، أمامه المعسَّل وفي يده كُباية شاي العروسة، يستنشق رائحة الماء المرشوش على سطح الاسفلت، وموسيقى السنباطي تصدح بالشجن. وإلى أن يعود محمد بيه الهجين إلى مسقط رأسه سالما غانما، أتمنى على الله أن يثبّت أعصابه، وأن يفك كربته المريرة. ••قراءة ماتعة🌷
14
10
6
163
51,966
|٢/١| لأعوام قريبة خلت، وحياتي تتأرجح بين الليل والنهار، كل منهما يستخدم أدواته للتأثير في عقلي و جسدي، وأنا أمامهما مستسلم بلا حيلة أو قوة. وبمرور الوقت.. عرفت أن الليل وعد، وأن النهار حق لا غلالة تعلوه، وما بينهما، هو ما بينهما من اختلاف عظيم، أقسم به الرب. في اللحظة التي يريد فيها المساء الهبوط، حين لا يتبقى من قرص الشمس وهي تغادرنا إلا الثلث، في ذلك المنظر الذي نعرفه جيدا، يشبه التلصص أو الاكتراث لنا، تبدأ أحلامي في الاستيقاظ من نومها، فتستحم وتفرش أسنانها، وترتدي أمام المرآة، أجود الملابس وأغلاها ثمنا. تمتَهنُ ذلك كل ليلة، في جرأة باردة دون خجل، وكنت أنا حبوب الذرة(الكورنفليكس)الذي تُفطر عليه، وليس لي من سلاح في هذا المعمعة غير: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث" • كان الغضب هو ما يدفعني إلى الاستيقاظ.الغضب مِمَن يلتحقون بموكب الحياة في الصباح، الذي لم يكف عن الجريان منذ بدء الخليقة، وأنا أُحسُّ وقع أقدامهم فوق رأسي، بعضهم يركض وبعضهم يمشي وآخرين يعرجون أو يستندون إلى عصيّ، وطائفة منهم، تتوقف لتلتقط أنفاسها فوق قفاي. يكدرون عليّ منامي أثناء رواحهم وغدوهم، حين يهرسون بأقدامهم، مشاريعي الرملية، التي صنعتها البارحة أمام بحر أحلامي العريض.البحر اللانهائي. البحر الذي لم يوجد قط، في أي خريطة معلقة على حائط. أتنبّه فألعنهم جميعا، خاصة أولئك الطيبين الذين سلّموا مقاليد الحياة إلى الأشرار، ليسقط بعدها رأسي فوق وسادتي، وقد تضاءل ألم جذعي. • كانت عِدّتي في الليل، لصناعة حُلُمٍ جديد: السجائر والشاي والفيلم الدرامي، أو المسلسل الكرتوني، أبني على أثرهما، سينمائية خاصة بواقعي اللذيذ البائس.إنكم كما تعلمون هذه الأيام، الاكتئاب الأصيل، أصبح عملة نادرة! مرة أريد أن أكون مسؤولا عن شيء سريّ ومُبهم. ومرة أريد أن أصنع عطور.ومرة أتمنى أن ألتحق بالملحقية الثقافية بمصر.ومرة أريد أن أغدو ثريا لأني وقعت على أرض باسمي، ولم أكن أعلم بها. ومرة أريد أن أصنع فيلما في كوريا.ومرة أريد أن أصبح شيخا يتحلّق حولي الطلاب وأنا أردد:"حدثنا ابن عقيل عن شيخه عبدالحق بن عبدالواحد الهاشمي"هكذا حتى ينقضي الدرس. ومرة أريد أن أصير عازف آلات موسيقية، اتقنها كما يتقن النجار الدمياطي حرفته، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا.لكنّ شيئا من ذلك لا يقع، لجرأة الحلم على الواقع وقبل ذلك، على طبيعتي المتواضعة. إذن..لم يتبق لي مِن المُتاحاتِ، إلا أن أكتب للعالم على ساق مهيضة، وهأنذا أعرج أمامكم. لطالما حلمت أنني سوف أصبح كاتبا كبيرا، يعبر عما في نفسه أولاً وعما في نفوس البشر وقت فراغه، عبر الشذرة والمقالة و القصة القصيرة. كاتب، يضعون مؤلفاته فوق رفوف المكتبات التي يعلوها الغبار والغرور والأمل والنسيان، بجانب كبار الأسماء في دولة الفن والأدب لإسعاد أمي ولِمن يُحبني. أن تلاحقني إشارات الأصابع، وعدسات المتطفلين وأنا أشتمهم في داخلي:يا أولاد الكلب. لكم تخيلت أنني أنزل من سيارة الكاديلاك السوداء، وأُثبُتُ نعلي فوق السجاد الأحمر في الممر الطويل، والفرح يغمرني والتواضع يلح عليّ أن أستعين به، فأتذكر أنني أعيش هنا، فأضع كعب رجلي في فمي. حين أتأمل أحوالي.أعني عزلتي وابتعادي لسنوات عن نبتة البلوى وبراز العالم، أحمد الله على اختياراته، وإن كنت أراها شديدة الوطأة، لكنني عبدٌ مطيع، مطيع إلى درجة الضحك الاستلقائي في ذروة الآلام، وقد كانت عذاباتي عالمية. • كان لدي شيء ما، عظيم، سوف أقوله، هذا ما أُحِسُّ به على الدوام، خاصة حين أصحو.لذا لم أُفرط في لحظة الاستيقاظ هذه منذ ستة أعوام، أختلي فيها بنفسي في الحمام أو في المكتبة أو في أي مكان فارغ، وأشرع في تدوين انطباعاتي. مر بي أن كامل بيه الشناوي، الصحفي والأديب الكبير، حين يصحو من نومهِ، يخرج من غرفته ويمر أمام أعيُنِ الضيوف في الصالون يرتدي المنامة وروب الحريري الكاروهات والشبشب، وفي يده تلفون وأسفل إبطه صحف يومية، يمكث في الحمام مدة ثلاث ساعات يتحدث ويقرأ، وحين ينتعش، يخرج ويرحب بهم.كانت هذه طريقته في تأثيث يومه، وكان رحمه الله مِن أهل الليل والسهر. • حين أنظرُ بعينٍ إلى أحلامي، وبالعين الأخرى إلى أولادي، الذي في الجامعة والذي في الثانوية، أخجل من أُبوّتي.لم أعد أدري كيف جاء هؤلاء إلى الدنيا وكيف تزوجت أُمهم؟ كانت المسألة في طرفة عين! أستحي أن أكون أباً لهم حين أعقدُ مقارنة صغيرة بأبي رحمه الله، لأنني حثالة. ما هذا الوالد المتبطّل في مطلع الأربعين، داخل عزلته الغريبة والفوضوية، يقرأ كتب ويشاهد أفلاما كرتونية لها شخصيات حيوانية، كالقطط والكلاب، أو هلامية أو إسفنجية، يضحك لها حتى يتألم جنبهُ، و يستقي منها حكمة لم يجدها لدى ابن تيمية و برديائيف و الدكتور طه حسين؟ إنني الآن، أُحِلُّ ذاتي في ذواتهم، فأُشعرُ بأسَف صارم يغمرني تجاه هذا الوالد، شاذ الأطوار.
24
27
7
256
45,598
|٢/٢| قبل أسابيع، أحضر لي الأولاد كعكة من القباني، بمناسبة عيد الأب، حين عرفوه عن طريق الأنترنت. قدموها لي وأنا في صالة المنزل أرتدي ثوبا سودانيا بستين ريالاً، وحذاء جاء به صديق من أمازون، هدية لي، فلم أعرف ما أفعل معهم! أأببكي الآن أم أضحك، أم أُعانقهم دفعة واحدة وأسأل الله لنا صلاح الحال والمآل، أم ماذا؟ تخشَّبت كأبله أمام أستاذ الرياضيات وهو يستنتج حاصل الجذر التربيعي حين يُضرَب في نفسه، أو كما يقول الظرفاء في مصر:كالأطرش في الزفة. بدَّد الحرج البادي على خلقتي، ويصهرني من الداخل، مادة صنعوها، وقاموا بعرضها في التلفاز، كلٌ يقول عبارة للوالد الذي هو أنا، في عيد الأب. قال كبيرهم:"كل عام وأنت في خير يا شيخ". وآخر قال:"عمر مديد يا أستاذ"ومن هذا الكلام الذي أرفضه في الأنترنت وأتلذذ به في حياتي الخاصة، خلف جدراني الغاصة بالكتب والآمال، كناية عن أن أعوامي لم تذهب أدراج الريح. انقضى الاحتفال بسلام، وخرجت إلى منفاي الاختياري-المكتبة-لأتعاطى البكاء! أبكي على ماذا؟لا أدري. أخذت أبكي حتى تمزق المنديل في يدي لكثرة الدموع.كان إستعبارا صامتا.نشيج لا صوت له، بينما عويله في العالم الجوَّاني مفزع.هناك..حيث العمق الإنساني، له عواء ذئب مغموم في عرض السهوب المعتِمة. • يتصل بي الذين لا يعرفوني في التاسعة أو العاشرة صباحاً، وينتهي الاتصال، وهم لم يستمعوا إلا إلى نغمة الطلب المملة. بعضهم يُريد لقاء في برنامج، أو يستشيرني في نص كتبه، هل هو مؤثر أم لا، يحسَبُني عبدالقادر القط أو أنور المعدّاوي! تتصل بكاتب في العاشرة صباحا؟ أفي صحة عقلية جيدة أنت؟ لا يوجد حامل قلم محترم، وصايع في آن واحد، يسكن السويدي، يستيقظ الصباح يا رفيق! الذي يليق به الصباح إنسان حيّ قلبه، يرتدي ساعة الكترونية تقيس خطواته وسعراته الحرارية وضغط دمه.لديه خطة مالية، ونموذج للقاءات الشهر، ومن سيُضيف إلى قائمة معارفه هذا العام لغرض المصلحة؟ويضع في خلفية هاتفه، صورة مثله الأعلى الأستاذ وارن بافت. الكاتب ليس لديه شيء من هذا.إنه بالكاد يفكر في الست ساعات القادمة، كيف سيقضيها، وأي متعة تافهة سينغمس بداخلها هذا المساء. • بدَت لي أحلامي هذه الأيام، رثة الحال، وترتدي جزمة مهترئة علَّم عليها الزمن حتى عانق الباطن الاسفلت.طبيعتها ساذجة وبلا طموح يتعدى أطراف اللحاف الرقيق الذي يغطيها قناعة، و كانت في ما مضى تريد أن تقابل الكبراء في لعبة بلوت أو تُآخيهم في رحلة سفر لتقرير مصير سياسية منظورة.كنت واهما، وأعمى بصيرة، فضلا عن المناخ الذي يغتال الطموح قبل أن يتحمّض في المعمل الأحمر. لم تكن أحلامي على قدر المسؤولية.كانت تنشأ على مذهب(رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده)ولم يكن عصري هكذا. إن أحلامي وأنا في الصف الثالث الابتدائي، هي أحلامي وأنا في الثالثة والأربعين.كان كل شيء في الحياة ينمو بصورة طبيعية عدا آمالي! ما أنا موقن به نحوي، أنني مجموعة من البشر في إنسان جائع للمعرفة، محب للحياة وللظرفاء. -لم تكن أحلاما. كانت أهواء.مماطلة.طفولة لم تنقضي.عبث. كسل.ضيعة عمر.ضعف إدراك. مر بي وبالبلد الذي أنا على بقعته: ثلاثة ملوك.حروب.تغيّر مفاهيم.غزو ثقافي. تحول عادات وتقاليد.مجيء ماكدونالدز. وأنا أنا، لم أتغير، أتبعُ خيالاتي الغريرة. ما تغير فيَّ وأشعر به:ظهور الشيب، وآلام المفاصل، واللتهاب البروستات، واضطراب النوم المؤذي. • حين تنقضي ليلة الحلم، ويأخذ القمر في لملمه أشياءه، مُشيرا بيده نحو أصدقائه، أن إلى لقاء جديد:يشرق جبين الحزن الخبيث في عرض السماء، فآخذ أنبح تجاهه، وجسدي يطفح بالعرق. كانت المسافة بعيدة وحلقي جاف وعيني تدور ورأسي دائخ والشمس تحرق بشعاعها خيوط الخدعة. ضوؤها يخترق الجسد والأفكار والمستقبل، فأهرب ببقاياي فزعا إلى العلّيَّة، وأقفز فوق السرير مثل قرد استقر فوق جذع آمنٍ بعد مطاردة شرسة. كنت أدخل غرفة نومي كمصاب بنوبة قلبية، أخبط الأرض بحافري وأستند إلى الحائط كالمخمور الباحث عن كوة يملأ قعرها بما في بطنه من فستق ومخلل! كانت زوجتي تفزع من نومها وتقول: "هل ندق على الإسعاف؟" -إسعاف ماذا يا امرأة؟إنها الشمس. كنت أكلِّمُها بنبرة سي السيد الذي في ثلاثية نجيب محفوظ.شخصية هارونية، وقزم في آن واحد. تجرّني لغسل وجهي بالماء، فأنظر إلى المرآة وأتمعن سحنتي، وشاربي الذي اخترت أن أتركه ينمو على راحته، فأصبح يُشبه الشعيرات التي على مُحيّا ابن عرس.أُبللُ أصبعي بالماء وأشرع في تمسيده وعكفه إلى الأسفل. حين أفرغ من صنيعي هذا، أتفحص المرآة بعين حانقة، وأبصق تجاهي. هنا..يبلغ انهياري أقصى أركانهِ، فأندس في سريري بلا وعي والآسى يعتصر دماغي، فالحلم، قد بدده صدق الضياء، والسهر بهالاته السود، انقلب بلا فائدة، وهأنذا، ليلة من حياتي تسقط بلا معنى. ..أريد أن أتلو أذكار نومي فأجدني أقول: أيها النهار..يا عدوي!
26
7
1
70
13,716
حين نقرأ بادورا، يجب علينا أن نأخذه برويّةٍ.أن نسايرهُ إلى نهاية العمل، يبدا بيد، لنفهم عنه الذي يريد قوله، فمطالعة أعماله، توازي حصة سباحة شاقة.إنه ليس ببعيد عن غابرييل ماركيز الذي فهم اللعبة الروائية بحذافيرها إلا أنه أغزر أفكارا. غابرييل لم يكتب أفكارا كبرى، مع التحامه بالواقع. جاءت بعض روايات ليوناردو، منها التي في الصورة، روايتين في رواية واحدة، ينظم فصولها الشاقة حتى تستوي حبكتها، ليقول القارى عنها:كل شيء جائز في الحياة والأدب.هذا الأستاذ الفذّ، يعملنا الصبر. • يكتب بادورا عن مظاهر الحياة، لا يستثني منها شيئا.الجنس، العائلة، السياسة، الوظيفة، الحب، الأدب، الصداقة، الاغتراب، وأشباه هذه المؤثرات، خاصة العامل أو القيد السياسي، وكأنه يتبنى رأي جورج أورويل"في عصرنا لا يوجد شيء اسمه بعيداً عن السياسة، كل القضايا هي قضايا سياسية"ما يبرر له طول الأعمال التي يكتبها، وتكون في هذا الخط صغير إلى حد ما، لتقع في مجلد واحد بدلا من مجلدين، يستثقلها القارئ أينما كان. يتناول كل شيء، كأنه يخشى ألا يعود إلى الكتابة مرة أخرى، عبر السكتة الأدبية أو السكتة القلبية! • ما يلفت النظر تجاه أدب بادورا، أنه يمزج الواقع أو التاريخ بالخيال الأدبي الإنساني.فهو دائما ما يسقط شخصياته الموازية في أحداث قد جرت، تنطق برأيه فيها، أو برأي الناس في تلك الحقبة والظروف التي جرت عليهم.وإذا غصنا في العمق، نرى أن أعماله تدور حول معنى التغيير، وقوة الكلمة، وفضيلة التشاؤم، فضلا عن الثيمة الثقافة والفكرية المصاحبة. -تذكرنا هذه الرواية، بأعمال الأدباء الفلسطينين أمثال محمود درويش، وحنينهم إلى الوطن، بعد قضاء شوط طويل مضنٍ في الغربة الخارجة عن الإرادة، إما باحتلال أو بنفي جائر وحشي. قال الناقد الكوبي أبيليو استيبيث عنها، إنها"رواية حياتنا كلّنا.فهي مبنية على ألم علينا تجاوزه، وتقدم لنا عرضاً لِما كنّا عليه وما نحن عليه"بل وتنبأ لها أن تكون علامة مضيئة في طريق الرواية الكوبية المعاصرة.ومما يزيد البهجة، ويؤكد على مكانة العمل وقيمته، أنه بترجمة الأستاذ/بسام بزاز. ..قراءة ماتعة🌷
3
19
9,501
رأيي، أن الذي يأخذ يتحدث على ألسنة القطط أو الخيول أو حتى الكلاب، وبقية الحيوانات الأخرى، أديب تعدت إنسانيته حدود البشرية، أو يئس منها. أو شيء ما، يشبه قول مارتن بوبر"إن الإنسان يرتبط بما حوله على طريقتين:طريق(أنا وهو)وطريق(أنا وأنت)الأولى توجد في المكان والزمان وتخضع لقانون السببية، وفي هذه العلاقة لا تظهر الحرية، بل الضرورة.أما الثانية فتوجد خارج الزمان والمكان وهي مستقلة عن قانون السببية، وتظهر هنا الحرية لا الضرورة". هذه الصورة، رأيتها خلال عدد من الشخصيات العالمية، التي ناسبَ أدبها كل العصور، ومِن زمرة هؤلاء، الروائي بول أوستر، الذي عزز هذا الشكل من الكتابة، بطابع لا يخلو من طرافة، ذكَّرني مسلك بوكوفسكي في أعماله الجميلة التي كتبها، ويظن الناس أنها عادية أو دون المستوى لأصالتها وقوتها في الكَشف. • تبدأ الرواية، بأروع استهلال بدأ به روائي روايته. لم يكن في سطر أو سطرين، بل في نصف ورقة. قطعة عظيمة القدر فاتنة، ما يؤهلها أن تكون في أشهر المقدمات التي حازت إعجاب النقاد والقراء، مثلها مثل استفتاح تولستوي و غابرييل ماركيز و تشارلز ديكنز، الرجال الذين سعِدت بهم الحياة. هذا العمل المؤثر: عن رجل تشرَّدَ آخر أيامه، بعد وفاة والدته، يدعى ويلي جي.كريسماس، له حياة مروعة في فصولها الأولى، أثّرَت على الفصل الأخير من حياته، يرافقه كلب اسمه السيد بونز، يُريدان التوجه إلى إحدى الولايات للبحث عن أستاذة ويلي، التي أثرت فيه. هذا العمل من منظور الكلب بونز.يعني، أنه هو الذي كان يشاهد ويحلل ويعطي الانطباعات الفلسفية نحو الحياة والموت والناس، ومسائل أخرى مثل الوفاء والصداقة والصدق والوحدة. إننا لن نجد أفضل من الكلب في عمليات التقصي والاستطلاع.بصره حاد وخطمه طويل يستنشق به أعقد الروائح في الجو والأنفاس الخارجة عنّا.فضلا عن الأذنين التي لديها القدرة على التنبؤ بالزلازل والأعاصير والرياح بزمن طويل! • هذا العمل(تمبكتو)سوف يظل في ذاكرتي القرائية إلى مغادرتي الحياة.أحمله بين قفصي الصدري، وأسوار جمجمتي، للقيم والمشاعر المبثوثة فيه. لا أدري لماذا تذكرت الآن، قول الروائي العراقي حسن مطلك:"أغار على وطني الذي كلما قارنت أدبه بآداب الشعوب اكتأبتُ..ودفعني ذلك إلى القراءة والكتابة..وستبقى تلك الغيرة تنهشني حتى أحقق ما يحققه كاتب عظيم لوطنه..أو أهلك دون هذا الأمر"وإلى ذلك الحين، قراءة ماتعة🌷
2
8
1
55
14,994
أهدى إليّ أخي، الشيخ الدكتور/نواف الرّشيد، الذي قلما يجود الزمان بشخصه في اللباقة، كتابه الصادر حديثا(المَخِيلَةُ)دراسة في عناوين الكتب المُوهِمة، وهو المُعتَني بالفنّ مذ عرفته. -في العام ٢٠١٣ سألني حدهم عن أبي محمد، وكنا على عتبة معرض الكتاب، قلت:"يمتح مِن بئر". ظل هذا الصديق الوفي يمدني بالعناوين لأعوام، حتى غصت الحجرة عن اقتراحاته الراقية. • حين كتب في المقدمة:"كنت ولا زلت قارئًا يلفته العنوان"لم يكن مبالغاً.فأنا لا أحصي المرات التي صادفته في المكتبات، وسبَّابته تتلمس العنوانات فوق الأغلفة.فضلا عن رحلاته المشهورة في التعرف على مكتبات العالم، الخاصة والعامة.كانت هيئته مثل القبطان كولومبس وهو في مقدمة السفينة، تعلوه حماسة المغامر أو كشارلوك هولمز وهو يحمل العدسة المقعرة ساعة التحقيق، ليكتشف هوية الجاني. إنني لم أذكر هذين الاسمين عبثًا، فقد كانت الدائرة التي يطوفون حولها، حب الابتكار، والتفرد المحلّق. يدعم هذه القناعة داخلي، الكتاب الذي صدر قبل الذي في الصورة(الموافقات بين الشعر الفصيح والنبطي)حين تسابقت الأيدي للظفر به، فأصبح أثرا بعد عين، خلال أيام!كانت الأفكار التي يؤثث بها أوراقه، لها طابع خاص، جريء. • المَخِيلَةُ في عناوين الكتب المُوهِمَةِ، جاءت بالمثال والصورة، عن: ١-بواعث الوهم في العناوين عند مفهرسي المكتبات. ٢-بواعث الوهم في العناوين عند القرّاء بشكل عام. ٣-تَبِعَةُ الوهم في عنوان الكتاب. ٤-عناية العلماء والمحققين بعناوين الكتب وصيانتها عن الوهم. -جاء في فصولهِ: ١-العناوين الموهمة لتضمنها لفظا مشتركا. ٢-التصرف في عنوان الكتاب بحذف جزء منه. ٣-الزيادة في عنوان الكتاب، زيادةً تؤدي إلى الوهم فيه. ٤-تبديل عنوان الكتاب. ٥-كتاب طبع بعنوانه الذي وضعه المؤلِّف، لكن بعد التصرف في محتواه. ٦-عنوانٌ موهم لتشابهه أو اتفاقه في التسمية مع عنوان آخر. ٧-الإيهام بجمع متفرقِ مادة علمية في كتاب واحد، ونسبته إلى المؤلف، مع عدم الإشارة في العنوان. ٨-عنوانان لكتاب واحد. ٩-استلالُ الكتب، و وهم العناوين، وفيه عدة مباحث. • في ظني الآن، أن الكتاب اكتمل خلال عقد كامل. كنت أرى على أبي محمد هذا الاهتمام، مطلع تعارفنا في العام ٢٠١٢، مُؤَكَدًا، أن الفكرة آنذاك، كانت تختمر في فوق طاولة مكتبه.استدل على ذلك، بالدقة بين دفتي الكتاب، فضلاً عن المتعة التي ستلامسُ القارى بين الفصل والآخر، لوقوفه على ما غاب عنه، وعلى تعرفه إلى شكل جديد من أشكال التأليف، يبقى طويلا في الذاكرة القرائية. أخيرا: هنيئا للقارئ العربي.هنيئا للمكتبة العربية هذا القلم الأصيل في الآداب العربية والعالمية. • الكتاب عن دار التحبير، يقع في ٣٩٠ ورقة. ..قراءة ماتعة🌷
2
10
1
59
17,566
استفتحت العام المبارك، بهذه المذكرات أمامكم في الصورة، فاستبشرت مطلعه، على هذه النحو. مؤخرا، أصبحت أميل إلى أمثال هذه الإشارات اللطيفة، وضروب الرسائل غير المباشرة، للسلوى. كنت أريد أن أكتب سطرا واحدا ليتمكن الجميع من مطالعته، بدلا من كتابة عامود لا يصطدم به أحد، لظروفه الخاصة، لكنني لم أستطع.كان تأثير القلعة الزجاجية عليّ، يفوق اكتراثي للقارئ. لزمني بعد الفراغ منها، شيء ملح، لم أفهمه ولم أستوعبه، ظل يضغط على مركز الأعصاب، يستثير فيَّ استئناف الوفاء للكتب الطيبة، والثرثرة عنها. • إذا كانت هناك امرأة اسمها هيلين كيلر، فهناك امرأة أخرى، اسمها جانيت وولز.ومع أنها لم تكن مُبتلاة بعاهات هيلين، إلا إنها لا تنقص عنها مطلقا. جاء هذا الاستفتاح في ذهني، وأنا أقلب الصفحات، ورقة تلو الأخرى دون تكفير أو تزويق.هبط فورا. فمَن يقدِر على أن يستثير فينا الضحك والبكاء والقلق والترقب والألم والأمل، في آن واحد، هو مخلوق استثنائي!فضلًا عن الدروس والحكم الملقاة بين الأسطر دون مباشرة أو تلقين. لم تكن الهموم لدى جانيت في هذه المذكرات، أن تردد اسم الأسد بمفردات متعددة، قسورة، قِصمِل، ليث، كُرودُوس، كانت أرقى من هذا العبث الطافح في السير والمذكرات العربية.كانت تحمل بيدها النحيفة الذي في القاع، وتلطخ به الورق. • أتذكر الآن القول المنسوب إلى تشيخوف:"لا أملكُ انتصَاراتٍ مُدهشَةٍ، لكنني أستطيعُ إدهاشَكَ بهزائِم خرجتُ منها حيّاً"كانت مصيبتها في الوالدين؟في القدر الذي ليس لنا فيه رفاهية الاختيار؟ ما الذي سيقوله أحدنا حين يريد الحديث عن والده أو والدته إذا كانا على طراز روز ماري أو ريكس وولز؟لا شيء.وحده الصمت يتسيَّد. رجل وامرأة مضت حياتهما على نحو غريب لم يمر بي عبر حياتي مثلهما في طريقة العيش والتفكير والتصرف!مع ادعائي التبحر في قراءة حياة التشرد والسبهللا والعمر الضائع. لقد كان الأطفال يبحثون عن الأكل في القمامة، ويجمعون زجاجات الخمور والكوكاكولا لبيعها وشراء الزبدة أو الفاصوليا للبقاء على قيد الحياة. بينما الأم، رسامة وكاتبة، لديها شهادة جامعية ورخصة لممارسة التدريس، والأب عبقري في سلاح الجو، ولم يمارسا عملا طوال حياتهما، غير عدة أشهر، خلال نصف قرن.اغتالتهم الآمال العريضة، والغد المشرق الذي ودّعهما منذ الولادة. • حين فرغت من القراءة، تمنيت أن كنت أحد هؤلاء الأثرياء، أو رائد أعمال لديه امتياز جيني، أو أحد الذين يتبجحون بسداد فواتير الكهرباء ومساعدة المعاقين على مواقع التواصل. كنت سأذهب إلى مكتبة جرير واقتني جميع النسخ لديهم وأجعلها للناس في فناء المنزل بلا مقابل. أُريدهم أن يتعرفوا إلى جانيت وولز، وإلى براين، ولوري ومورين، والأم روز ماري، الدائخة في غرام زوجها غريب الأطوار، ابن عائلة ريكس المروِّعة! -كنت أُخادع الوقت، وأدّعي أنني توقفت عند الورقة ١٢٨ بينما أنا في الورقة ١٧٨كان الفارق بين الرقمين، يلفت نظر أغبى المحاسبين.لم أكترث. أُخادع نفسي والمكان والوقت، خداعي نفسي في الحقيقة، حين أتذكر لحظة الشفَق والمغيب. أحسست أنني أحد أفراد هذه العائلة، عائلة وولز. أردت أن أنسلخ من كل شي، وأن أنتمي إليهم دفعة واحدة للحال التي آلت إليها، وقبل ذلك، حياتهم الأولى، المغمورة بأطيب الذكريات مع قسوتها. كنت أحب المغامرات مثلهم.لا يمر الأسبوع على أهلي إلا ودخلت عليهم وأنا أحمل كارثة بين يدي. يرضيني الباونتي ومارس والباسكن روبنز، وأفلام الكرتون على طراز فاميلي غاي، الطافحة بألفاظ الشتيمة، والتصريح بطرق الجنس بصورة طريفة. لم أتقبل أن ينتهي العمل هكذا في ليلتين، كنت أقرأ وأترك الكتاب عمدا، ثم أعود إليه بعد ساعتين وأنا أهرش دماغي.كنت كشاب تزوج حديثا، لديه فرط حركة تجاه الغادة أمامه، وهي لا ترد يده. -قبل أسبوع كتبت في كراسة الشذرات:"كل شيء تغير هذه الأيام، حتى البكاء اللذيذ، أصبح مثل عطسة!ولم يعد قادرا على نفخ الوجنتين وتورم العينين"فلما ودَّعت العمل، بكيت حتى محوت الذي كتبته في كراسة الشذرات قناعة.هناك ما يُبكي. • هذه المذكرات جعلتها في أول قائمة الكتب الإنسانية القريبة إلى قلبي، بل إنها جاءت قبل سيرة البرقعي(سوانح الأيام)التي أسرتي لعقدين، لم يقف بجانبها عمل أو تماثلها حياة.لقد خذله خميني. تمنيت أن كنت متقنا اللغة الإنجليزية.كنت سأبعث برقية إلى جانيت وولز اخبرها عن انطباعي ومحبتي لها ولعائلتها.لا أريد مترجما ولا محول لغات أخرى أو شات جي بي تي الذي ينتفخ به الأغبياء.لن يتحمل أحدهم الذي يعتمل في صدري ولا أريد قبل ذلك أن يطّلع عليه.لذا سأترك أثر الفراشة بداخلي إلى يوم القيامة. ..قراءة ماتعة🌷
6
6
3
110
21,905
في جوٍ من القلق واليأس واضمحلال الأمل، وعلى طريقة الكبار الأوائل الذين أسوَدَّ ما تحت أعينهم، وهم يسردون حديث النفس، شرع توماس برنهارد في كتابة رواية الخائب، رفقة كأس قاز ذهبي! كان النص غاية في الغرابة ويميل إلى الطابع الاسكندنافي.لم يكن العمل معقدا ولم يكن كتابا مدرسيّا، بل علامة فارقة في الجسد الأوروبي. • يظهر لي الآن، أن برنهارد قبل أن يمسك القلم، قد وضع أمامه لوح من خام الاسفنج أو الكرتون، وأحضر مجموعة دبابيس ملونة، وخيط من الصوف، داكن لونه، كما يفعل محقق الجرائم في السينما، ثم ألصق الشخصيات الثلاث، منتصف اللوح، وكتب أسفلها النص القصير الذي ظل يردده طوال الرواية ويبني عليه، ويظنه البعض ضعفا، بينما المسألة، نفسية دقيقة جداً، ولها وجاهة. ربط برنهارد شخصياته، بقضايا عظيمة تمس الإنسان المعاصر، بصورة مباشرة، كالولادة والأسرة والتعليم والمال والوحدة وتعرّي الإحساس والغيرة والصداقة والفن والانحلال الروحي وافتقاد المعنى، وكان أقساها، فساد الوجوه والأنظمة. هذه الموضوعات التي بالكاد نجد بعضها يُطرح في رواية تقع في ٣٥٠ ورقة لصعوبة الوفاء بها، استعرضها برنهارد، في ١٧٠ ورقة. • لا أدري لماذا تذكرت طبيعة المعري وحياته بين يدي العمل؟ فَما لِلفَتى إِلّا اِنفِرادٌ وَوَحدَةٌ إِذا هُوَ لَم يُرزَق بُلوغَ المَآرِبِ هذه الجِبِلَّة التي يخلق بها المبدع، هي الشر في جميع أحوالها.حالة البلوغ و الارتكاس و الطريق إليهما.كانت الدروب مليئة بالفظائع والأهوال. الفاتر والمنحط يولد ومعه باقة من زهوّ بلاستيكي. ضيق الخائب على نفسه الحياة، حتى غدت جحر نمل، وأغلق النافذة.لم يستطع أن يتجاوز أو أن ينحني في صمت، حتى يمضي العمر، فشنق نفسه! -أسأل الآن:أيحق لي التعبير عنه بهذا الأسلوب؟ ج/لا. كَم صاحِبٍ يَتَمَنّى لَو نُعيتُ لَهُ وَإِن تَشَكَّيتُ راعاني وَفَدّاني صَحِبتُ دَهري وَسوءُ الغَدرِ شيمَتُهُ فَإِن غَدَرتُ فَإِنَّ الدَهرَ أَعداني • هذه لقائي الأول مع توماس برنهارد، مع اقتباسي عنه أحد نصوصه الذهبية، لمقال كتبته في العام ٢٠١٥ ولم أعلم من هو.تبقى لي، بعض أعماله التي تُرجِمت إلى العربية، جمود والتحطيب وصداقة مع ابن أخي فيتغنشتاين، ولا أعلم إن فاتني غيرها. يقول في قصيدة(اللعنة عليَّ): هذا الألم الشتائي الذي يدفع الدخان إلى غابات لا وطن لها المساء هو أخي، لأنني رأيت، كيف أدارت الشجرة نفسها إليّ، عندما طرق سمعي انشطار أباريق الفلاحين وتناثر النبيذ على وجوهم، هؤلاء الذين أدانوا المسيح، بالجريمة، وهو على الصليب. سأخرج وأغسل أقدامهم وأملأ الأباريق الجديدة بالنبيذ! سأقف في السوق وأنتظر، حتى يخلعوا الملابس من على جسدي ويضربوني على جلدي العاري بحذائي الذي سبق ومشيت به مائة عام. ..قراءة ماتعة🌷
6
53
11,634
على معدة فارغة، آكل كل يومٍ عظام السمك المنتحر.
2
14
7,533
أسكُن الآن، صندوق أحذية.
12
8
13,833