Pinned Tweet
الكتاب متاح للتحميل على موقع المركز
تقديم
تتناول هذه الدراسة ظاهرة الحركة الحوثية من منظور تاريخي-أنثروبولوجي، وتنطلق من نقد القصور المنهجي في الأدبيات السائدة التي تختزل الحركة في نموذج الوكيل الإيراني أو الميليشيا المسلحة، مُسقِطةً مفاهيم العلاقات الدولية على بيئة تحكمها شروط بنيوية موروثة من ألف عام من الإمامة الزيدية والتنظيم القبلي الانقسامي. تسعى الدراسة إلى الإجابة عن السؤال الآتي: إلى أي حدٍّ يمكن تفسير نشأة الحركة الحوثية واستمرارها وفهم تحولاتها بالاستناد إلى الإرث التاريخي للإمامة الزيدية والبنية القبلية، بدلاً من اختزالها في نموذج الوكيل الإيراني؟ وتحاجج الدراسة بأن الحوثيين فاعل تكيّفي تاريخي التشكّل، نشأ في تقاطع الإرث الإمامي والبنية القبلية وفشل الدولة الجمهورية، ويُعيد تعريف علاقته بالرعاة الخارجيين وفق أجندته المحلية أولاً.
وتعتمد الدراسة مقاربةً وصفيةً تحليليةً تركيبيةً تستند إلى أدوات علم الاجتماع التاريخي والأنثروبولوجيا السياسية، وتُعالج ستة محاور بنيوية تاريخية في جذور الحركة قبل الانتقال إلى تحليل بنية العلاقة الإيرانية-الحوثية وإشكالية نموذج الوكيل.
وتخلص الدراسة إلى أن الحركة الحوثية ليست قابلة للاختزال في مقولة واحدة؛ فهي في آنٍ واحد: امتداد وظيفي لإرث الإمامة الهاشمية، وتمرد نموذجي يتكرر عبر تاريخ اليمن، وأيديولوجيا هجينة تجمع الزيدية بخطاب الثورة والمقاومة، وفاعل تكيّفي يُوظّف الدعم الإيراني دون أن يذوب فيه. ومن ثَمَّ فإن أي تسوية سياسية مستدامة في اليمن تستلزم معالجة هذه البنى الداخلية لا الاكتفاء باستهداف الدعم الخارجي.
democraticac.de/?p=110502
شعاري في هذه المرحلة شديدة الالتباس:
لا مانع من ارتكاب خطأٍ صغيرٍ ومقصودٍ بين الفينةِ والأخرى؛ ليس لأنه سيكشف لنا في كل مرة رِفاق/رُفقاء السفر الحقيقيين فحسب، بل لأنه سيكشفُ أيضاً الطريق الحقيقي والآمن من الفِخاخ، وما أكثرها!
وكما يكون الخطأ نقمةً في مراتٍ كثيرةٍ، قد يكون نعمةً عظيمةً، تماماً كما يُقال عن النسيان: نعمة ونقمة!
اللهم كثّر من أخطائنا التي تُنير لنا الطريق
لا مانع من ارتكاب خطأٍ صغيرٍ ومقصودٍ بين الفينةِ والأخرى؛ ليس لأنه سيكشف لنا في كل مرة رِفاق/رُفقاء السفر الحقيقيين فحسب، بل لأنه سيكشفُ أيضاً الطريق الحقيقي والآمن من الفِخاخ، وما أكثرها!
وكما يكون الخطأ نقمةً في مراتٍ كثيرةٍ، قد يكون نعمةً عظيمةً، تماماً كما يُقال عن النسيان: نعمة ونقمة!
اللهم كثّر من أخطائنا التي تُنير لنا الطريق
كتب الفيلسوف الفلسطيني المعروف أحمد نسيم برقاوي في صفحته على فيسبوك عن التجربة المريرة في تصفية الكوادر الجنوبية بعد الاستقلال العام ١٩٦٧، والدكتور برقاوي عاشت بضع سنوات في عدن بداية التسعينيات كأستاذ زائر.
"في نص طويل كتب الصديق والزميل الدكتور اليمانيّ قاسم محبشي يقول في معرض حديث عن وطنه اليمن :
هنا أتذكر حديثًا قديمًا مع أستاذي وصديقي الدكتور أحمد نسيم برقاوي.
كان ذلك ذات مساء على شاطئ بحر العرب، في كورنيش خور مكسر. كنا نصطاد السمك، ننتظر أن تستجيب السنارة لسمكة تأخرت كثيرًا عن موعدها، بينما أخذنا الحديث بعيدًا عن البحر والسنارة والسمكة.
فجأة قال لي:
«قاسم، بدي أسألك: أين اختفت النخبة التكنوقراطية الحديثة لمدينة عدن؟»
فاجأني السؤال، لا لأنني لم أكن أعرف أن عدن امتلكت نخبة مدنية متعلمة، وإنما لأنني لم أفكر من قبل في اختفائها بوصفه سؤالًا تاريخيًا.
سألته: ماذا تقصد بالنخبة العدنية الحديثة؟
فبدأ يسمي: التجار والمستثمرين، المهندسين والمقاولين، الأطباء والمحامين، الإداريين والمحاسبين، المعلمين والصحفيين والكتاب والمثقفين والفنانين، والنساء المتعلمات، وأصحاب الشركات والمؤسسات والصحف والمهن الحديثة؛ تلك الطبقة المدنية التي راكمت خلال عقود طويلة خبرة في إدارة المدينة ومؤسساتها.
كان سؤاله الحقيقي: ماذا حدث لهذه النخبة بعد الاستقلال؟ ولماذا لم تصبح جزءًا أساسيًا من بناء الدولة الوطنية الحديثة؟
أدركت يومها أن السؤال أكبر من عدن؛ إنه سؤال عن علاقة الثورة بالنخبة، والدولة بالخبرة، والمجتمع بذاكرته المؤسسية.
فقد جرى النظر إلى قطاعات من تلك النخب من خلال تصنيفات أيديولوجية جاهزة، مثل البرجوازية والكومبرادور والقوى الرجعية. وبدل استثمار خبراتها، أُقصيت قطاعات منها، وحلت محلها قوى جديدة لم تكن تمتلك دائمًا الخبرة اللازمة لإدارة دولة حديثة.
ومنذ ذلك المساء أصبحت أرى أن الدولة لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالمعرفة والخبرة والمؤسسات والقانون.
وحين تُقصى النخب أو تُهجّر، لا يخسر المجتمع أشخاصًا فقط، بل يخسر جزءاً مهماً من طاقته وحيويته وقدرته على بناء المستقبل.
((صورة مع الدكتور قاسم حين كنت أدرّس الفلسفة في جامعة عدن))"
معلومة تاريخية للمشاركين: أقدم اتحادين قبليين سويسريين هما اتحادا الرولكس وأوميغا.
معلومة لا تفوتكم 😉
هذا التعميم السام هو الاستثمار الأهم للنظام. فحين يكره الناس فكرة النخبة يكرهون معها فكرة الكفاءة ومعايير الاختيار. لا يعود أحد يسألُ من الأجدر ومن الأكفأ ومن الأحق. يسقط سؤال الاستحقاق من التداول، ويغيب الاحتجاج الأخلاقي على الفساد. ما الحاجة للاحتجاج على تعيين جاهل فاسد إذا كان البديل في نظر الناس لا يقل عنه سوءاً. هنا يتعوم الفساد بلا مقاومة، ويُترك لنخبة النظام أن تضع معاييرها الخاصة: الولاء قبل الكفاءة، والقرابة قبل الجدارة، والطاعة قبل النزاهة، وكلها تتضافر معاً للتحول إلى أسلحة دمار شامل ضد فكرة النخبة.
Replying to @elyafaee
هذا التعميم السام هو الاستثمار الأهم للنظام. فحين يكره الناس فكرة النخبة يكرهون معها فكرة الكفاءة ومعايير الاختيار. لا يعود أحد يسألُ من الأجدر ومن الأكفأ ومن الأحق. يسقط سؤال الاستحقاق من التداول، ويغيب الاحتجاج الأخلاقي على الفساد. ما الحاجة للاحتجاج على تعيين جاهل فاسد إذا كان البديل في نظر الناس لا يقل عنه سوءاً. هنا يتعوم الفساد بلا مقاومة، ويُترك لنخبة النظام أن تضع معاييرها الخاصة: الولاء قبل الكفاءة، والقرابة قبل الجدارة، والطاعة قبل النزاهة، وكلها تتضافر معاً للتحول إلى أسلحة دمار شامل ضد فكرة النخبة.
الأخطر من كل ذلك هو ما يتركه هذا المشهد من أثر في وعي الناس. حين تُعرض هذه النماذج وحدها ليل نهار بوصفها هي النخبة، على شاشات الإعلام الرسمي وصفحات الصحف الرسمية والمنابر الأخرى، بينما يُقصى النزيه إلى الهامش أو المنفى، يترسخ في المخيال العام انطباعٌ قاتلٌ مفاده أن هذه هي النخبة ولا نخبة غيرها. ويتكون لدى الناس شعور عام بالخيبة والنفور، وتصبح كلمة نخبة نفسها بمثابة تهمة أو شتيمة يتطلب الدفاع عنها، وفرصة لتطاول كل من هب ودب!
Replying to @elyafaee
الأخطر من كل ذلك هو ما يتركه هذا المشهد من أثر في وعي الناس. حين تُعرض هذه النماذج وحدها ليل نهار بوصفها هي النخبة، على شاشات الإعلام الرسمي وصفحات الصحف الرسمية والمنابر الأخرى، بينما يُقصى النزيه إلى الهامش أو المنفى، يترسخ في المخيال العام انطباعٌ قاتلٌ مفاده أن هذه هي النخبة ولا نخبة غيرها. يتكون لدى الناس شعور عام بالخيبة والنفور، وتصبح كلمة نخبة نفسها بمثابة تهمة، ومساحة لتطاول كل من هب ودب!
بهذه الطريقة تُولَد نخبٌ مُشوهَةٌ ومُشوهِةٌ في آن معاً. مُشوهَةٌ لأنها صُنعِت على مقاس التماهي مع الفساد والتخريب وقُطعِت عن وظيفتها الأساسية، ومُشوهِةٌ لأنها بدورها تشوِّه المجال العام. تشوِّه اللغة حين تسمي المحسوبية تقديراً للكفاءات، تشوِّه القيم، تشوِّه الوعي والذاكرة حين ترفع إنحطاط النظام إلى سماء الحكمة العالية.
Replying to @elyafaee
بهذه الطريقة تُولَد نخبٌ مُشوهَةٌ ومُشوهِةٌ في آن معاً. مُشوهَةٌ لأنها صُنعِت على مقاس التماهي مع الفساد والتخريب وقُطعِت عن وظيفتها الأساسية، ومُشوهِةٌ لأنها بدورها تشوِّه المجال العام. تشوِّه اللغة حين تسمي المحسوبية تقديراً للكفاءات، تشوِّه القيم، تشوِّه الوعي والذاكرة حين ترفع إنحطاط النظام إلى سماء الحكمة العالية.
ولم يَعد يُعترف بالمرء بفضل كفاءته، بل بمقدار تماهيه. وآلية التماهي هذه تتطلب انخراطاً كاملاً في تبريره، تتحول إلى واجبٍ يوميٍّ مُقدّسٍ. تصريح يلمّع الفشل، ومقال يبرر الفساد، ومداخلة تلفزيونية تُسمّي العبث تنميةً واستقراراً. وكلما كان الموقف أكثر ابتذالاً كان صاحبه أقرب إلى قلب السلطة، لأن الابتذال نفسه يُصبِح في هذا السياق دليل على درجة الإخلاص اللازمة. النظام الفاسد من رأسه حتى أخمص قدميه لا يحتاج إلى من يُجامله على استحياء، بل إلى من يدافع عنه دون حرج!
Replying to @elyafaee
ولم يَعد يُعترف بالمرء بفضل كفاءته، بل بمقدار تماهيه. وآلية التماهي هذه تتطلب انخراطاً كاملاً في تبريره، تتحول إلى واجبٍ يوميٍّ مُقدّسٍ. تصريح يلمّع الفشل، ومقال يبرر الفساد، ومداخلة تلفزيونية تُسمّي العبث تنميةً واستقراراً. وكلما كان الموقف أكثر ابتذالاً كان صاحبه أقرب إلى قلب السلطة، لأن الابتذال نفسه يُصبِح في هذا السياق دليل على درجة الإخلاص اللازمة. النظام الفاسد من رأسه حتى أخمص قدميه لا يحتاج إلى من يُجامله على استحياء، بل إلى من يدافع عنه دون حرج!
كيف عَمِل النظام اليمني على إفساد فكرة "النُخبة"
لم يكن فساد النظام اليمني فساد إدارة ومال فحسب، بل كان إفساداً منظما وممنهجاً لكل قيمة ومعنى ورمزية واعتبار، وهذا ما نجنيه اليوم. النظام الذي بدأت رموزه بتهريب الممنوعات، مارس واحدة من أعمق وأطول عمليات التخريب طيلة ثلاثة عقود متواصلة لتخريب فكرة "النخبة". فالنخبة ليست بطبيعة الحال مجموعة أسماء لامعة ولا أصحاب ألقاب أكاديمية مُدججة، بل هي وظيفةٌ حساسة وحيويّة داخل أي مجتمعٍ حيٍّ، هي بوصلة أمله، وروح بَعثِه ونهوضه، وقوته المُحركِّة، وخارطة طريقه نحو المستقبل الواعد.
الأخطر من كل ذلك هو ما يتركه هذا المشهد من أثر في وعي الناس. حين تُعرض هذه النماذج وحدها ليل نهار بوصفها هي النخبة، على شاشات الإعلام الرسمي وصفحات الصحف الرسمية والمنابر الأخرى، بينما يُقصى النزيه إلى الهامش أو المنفى، يترسخ في المخيال العام انطباعٌ قاتلٌ مفاده أن هذه هي النخبة ولا نخبة غيرها. يتكون لدى الناس شعور عام بالخيبة والنفور، وتصبح كلمة نخبة نفسها بمثابة تهمة، ومساحة لتطاول كل من هب ودب!
هذا التعميم السام هو الاستثمار الأهم للنظام. فحين يكره الناس فكرة النخبة يكرهون معها فكرة الكفاءة ومعايير الاختيار. لا يعود أحد يسألُ من الأجدر ومن الأكفأ ومن الأحق. يسقط سؤال الاستحقاق من التداول، ويغيب الاحتجاج الأخلاقي على الفساد. ما الحاجة للاحتجاج على تعيين جاهل فاسد إذا كان البديل في نظر الناس لا يقل عنه سوءاً. هنا يتعوم الفساد بلا مقاومة، ويُترك لنخبة النظام أن تضع معاييرها الخاصة: الولاء قبل الكفاءة، والقرابة قبل الجدارة، والطاعة قبل النزاهة، وكلها تتضافر معاً للتحول إلى أسلحة دمار شامل ضد فكرة النخبة.
في مديح الدرب، لا الطريق!
في معنى الدرب والطريق
"الدرب: شريط من الأرض نمشي فوقه على الأقدام. الطريق شيء مختلف عن الدرب، ليس فقط لكونه يُقطَع بالسيارة، بل لكونه مجرد خط يربط نقطة بأخرى. ليس للطريق بذاته أي معنى. الشيء الوحيد الذي له معنى هو النقطتان اللتان يصل بينهما. الدرب تكريمٌ للمكان. كل جزء من الدرب له معنى ويدعونا للتوقف. الطريق إنقاصٌ مظفَّرٌ لقيمة المكان الذي لم يعد اليوم سوى إعاقة لتحركات الإنسان، أي إضاعة للوقت.
اختفت الدروب من روح الإنسان حتى قبل أن تختفي من المنظر: لم يعد الإنسان يرغب بالسير في الدروب واستخلاص المتعة من ذلك. لم تعد حياته درباً أيضاً، بل طريقاً: خطاً يقود من نقطة إلى أُخرى، من رتبة نقيب إلى رتبة لواء، من زوجة إلى أرملة، تحوَّل وقتُ العيش إلى مجرد عقبةٍ يجب تجاوزها بسرعة متزايدة وباستمرار"
أمين اليافعي retweeted
تعز
ليست الجغرافيا بريئةً أو عنصراً محايداً، وأفضيتها تتحول إلى أماكن عندما تكون مُثخنةً بالزمن، وكما ذهب مايكل كرانغ في "الجغرافيا الثقافية"، وبهذا المعنى فالأماكن ليست مجرد مجموعة من المعطيات الجغرافية المتراصة أو المتراكمة، بل تتضمن مقاصد بشريّة غزيرة.
وحين نقول «المدينة» يذهب الذهن، في الأغلب، إلى شيءٍ واحد: بقعةٌ محدودةٌ بحدود، لها مساحةٌ وعددُ سكانٍ وأحياء وإحداثيّات؛ تصورٌ يبدو كحقيقةٍ بدهيّةٍ. وهو التصوّر الذي يجعل المدينةَ قابلةً للحصار بالمعنى الأنطولوجي، لا العسكري فحسب. فإذا كانت المدينةُ حدوداً، فحاصِرْ حدودَها كي تُمسِك بها، وتُسيطر عليها، وتُحكِم اللجام حول عنقها، وكما يفكِّر الغزاة ببساطة وأريحية. لكن هل «المدينة» هي ما يُحاصَر، أم أنّ ما يُحاصَر هو شيءٌ آخر نُسمّيه بالاسم نفسه ونظنّ أنه هو؟
هناك مدنٌ كلّما ضاق مكانُها، اتّسع معناها. فالحصارُ قد يُقلِّص الجغرافيا، لكنه يُوسّع الدعوى والأمل والحرية. ومن هنا لا يكون الصمودُ تعريفًا جديدًا للمدينة، بل إعادةَ صياغةٍ لدعواها. أن تُثبت أنّ ما يُحاصَر هو الأرض، وأنّ ما لا يُحاصَر هو الشرطُ الذي جعلها مدينة. والمدينةَ تُقاوم بالطريقة التي يُقاوم بها السؤال؛ قد يُوصَد في وجهه بابٌ، فيدخل من كلّ الأبواب، لا لأنه قويٌّ بما فيه الكفاية، بل لأنه لا يمكن إغلاقه.
وتعز المدينة المُعلّقة عند سفح صبر، حيث ينتصب الجبل في قلبها فيُحدّد ما تراه، وتمرّ بها الطرقات، تلتقي وتفترق، فتُحدّد من تسمع من العابرين، تحوّلت أسئلتها إلى مصدّاتٍ من الإصرار المكين؛ إصرار المدينة على أن تكون معنى، تكون في قلب المعنى والأمل.
تعز
ليست الجغرافيا بريئةً أو عنصراً محايداً، وأفضيتها تتحول إلى أماكن عندما تكون مُثخنةً بالزمن، وكما ذهب مايكل كرانغ في "الجغرافيا الثقافية"، وبهذا المعنى فالأماكن ليست مجرد مجموعة من المعطيات الجغرافية المتراصة أو المتراكمة، بل تتضمن مقاصد بشريّة غزيرة.
وحين نقول «المدينة» يذهب الذهن، في الأغلب، إلى شيءٍ واحد: بقعةٌ محدودةٌ بحدود، لها مساحةٌ وعددُ سكانٍ وأحياء وإحداثيّات؛ تصورٌ يبدو كحقيقةٍ بدهيّةٍ. وهو التصوّر الذي يجعل المدينةَ قابلةً للحصار بالمعنى الأنطولوجي، لا العسكري فحسب. فإذا كانت المدينةُ حدوداً، فحاصِرْ حدودَها كي تُمسِك بها، وتُسيطر عليها، وتُحكِم اللجام حول عنقها، وكما يفكِّر الغزاة ببساطة وأريحية. لكن هل «المدينة» هي ما يُحاصَر، أم أنّ ما يُحاصَر هو شيءٌ آخر نُسمّيه بالاسم نفسه ونظنّ أنه هو؟
هناك مدنٌ كلّما ضاق مكانُها، اتّسع معناها. فالحصارُ قد يُقلِّص الجغرافيا، لكنه يُوسّع الدعوى والأمل والحرية. ومن هنا لا يكون الصمودُ تعريفًا جديدًا للمدينة، بل إعادةَ صياغةٍ لدعواها. أن تُثبت أنّ ما يُحاصَر هو الأرض، وأنّ ما لا يُحاصَر هو الشرطُ الذي جعلها مدينة. والمدينةَ تُقاوم بالطريقة التي يُقاوم بها السؤال؛ قد يُوصَد في وجهه بابٌ، فيدخل من كلّ الأبواب، لا لأنه قويٌّ بما فيه الكفاية، بل لأنه لا يمكن إغلاقه.
وتعز المدينة المُعلّقة عند سفح صبر، حيث ينتصب الجبل في قلبها فيُحدّد ما تراه، وتمرّ بها الطرقات، تلتقي وتفترق، فتُحدّد من تسمع من العابرين، تحوّلت أسئلتها إلى مصدّاتٍ من الإصرار المكين؛ إصرار المدينة على أن تكون معنى، تكون في قلب المعنى والأمل.
تحوّلت "هدرة" المقايل وتحليلات "قرحة القات" إلى بودكاسات طويلة عريضة
تسمع مقطع من دقيقة ونصف إلى دقيقتين ويكون محتاج على الأقل نصف صفحة لإعادة ضبط عنق تحليله المَلْوِي، وإزاحة أكوام الالتباسات...
وبودكاست من ساعتين سيحتاج إلى كتاب أو كُتيب
قد يكون الهدف من القول بأن "الحوثي أخطر من إيران" التنبيه والتحذير التحولات التي تحدث في الملف اليمني بعد سنوات طويلة من التساهل، وهو هدفٌ مشروعٌ في سياق المعركة. لكن من وجه نظر تحليلية، فضلاً عن كون مثل هذا الرأي سطحيّا للغاية، فإن هذه المبالغة المفرطة تتعامل مع المتلقين وكأنهم أطفالاً. ولا اعتقد أن الأمر يحتاج إلى نقاشٍ موسعٍ، وهذه النقاط كفيلة بالإيضاح:
- الأسباب التي قيلت للتدليل على خطورته (الملاحة الدولية والقرب من دول الخليج...إلخ) هي عواملٌ مُهدِّدةٌ له في الوقت نفسه. ولا يعني تردد العالم في التعامل معه بحزم في هذه الفترة قبولاً أو تسليماً بـ"خطورته"، بل بسبب تحولات كثيرة غيّرت الحسابات أو اعادت ترتيب الأولويات، خصوصا التعامل مع التداعيات التي تتطاير كالشرر من كل مكان منذ السابع من أكتوبر.
- في فرقٍ كبير بين "الخطورة" و"التهور"، التهور مقرون بالفعل دون حساب العواقب، والخطورة تُقاس بالقدرات والنتائج.
- لدى النظام الإيراني برنامج نووي، وقدرات عسكرية هائلة، وثروات طبيعية، وشعب كبير عالي التعليم والتأهيل، ومؤسسات كبيرة وراسخة، وجغرافيا شاسعة، وفوق ذلك استراتيجيات وخطط اخترق بها أكثر من دولة في المنطقة وحولها لصالح خدمة مشروعه، وبكل تفانٍ.
- عندما سيطرت الحركة الحوثي على السلطة، وبسطت نفوذها في مناطقها بعد التخلص من صالح، ثم انضمت إلى مشروع "وحدة الساحات" بصورةٍ رسميةٍ تم اعتبارها مجرد أداة أو ورقة إضافية في يد النظام الإيراني.
مع إني شخصياً اعترضت، ومنذ فترة مبكرة، على التعامل مع الحركة الحوثية كمجرد "أداة"، لأنه يُقلل من خطورة مشروعها، لكن لا يمكن أن تكون الورقة أهم من الملف.




