إلى كل من تذوّق حرفي يومًا، أو مرّ بكلماتي صدفة..
يسعدني ويشرفني أن تزدان قناتي بانضمامكم، وأن تحظى نصوصي الأولى بنظرةٍ من ذائقتكم الرفيعة🤎
t.me/+O5fFgHMqAfczNWY0
بينما كنتُ أتأملُ خبايا النفسِ البشرية وأستقرئ طبائعها في تقلّباتها ومواقفها، استوقفني خاطرٌ طال عنده التأمل يتعلّق بتباين استجابات الرجُل والمرأة حين يحتدم الخصامُ وتستعر نار الغضب.
فالرجُل في كثيرِ من أحواله وإن بلغ به الغضبُ منتهاه، لا يستسلم بالضرورة لوطأة اللحظة ولا يسارع إلى اتخاذ قرارٍ يدرك عظم تبعاته بل يميل إلى التريّث واستحضار العواقب وموازنةِ ما يعتمل في نفسه بما قد تؤول إليه الأمور، وعلى سبيل المثال لا الحصر، حين يشتدُّ الخلاف بينه وبين زوجته مهما بلغت حدّته وقسوته قد يُحجم عن النطق بكلمة الطلاق، لا لانتفاء الغضب أو خفّة الخصام وإنما لاستحضاره ثقل هذه الكلمة وما يترتّب عليها من تبعاتٍ لا يسهل تداركها.
أما المرأة فقد تكون أسرع إلى النطق بما يعجز غيرها عن الإقدام عليه، فتستحضر كلمة الفراقِ في ذروةِ غضبها وتطلقها دون أن تمنح عواقبها القدر ذاته من التروّي والمراجعة وكأنّ وطأة الشعور في تلك اللحظة تتقدّم على حسابات العقل وتبعات القرار، وليس بالضرورة أن يكون اندفاعها إلى هذه الكلمة تعبيرًا عن إرادةٍ حقيقية في إنهاء العلاقة بل قد يكون صرخةً وجدانيةً تتجاوز ظاهر اللفظ تستنطق بها مشاعر الطرف الآخر وتختبر مقدار تمسّكه بها أو تستجدي يقينًا عاطفيًا افتقدته في لحظة الخصام، فكأنها لا تطلب الفراق بقدر ما تطلب ما يطمئنها إلى أنها ليست هيّنةَ الفقد ولا يسيرة التخلّي.
والأمرُ في حقيقته أوسعُ من مجرّد كلمة طلاق أو موقفٍ عابر إنما هو تأمّل في اختلاف طرائق الاستجابةِ واتخاذ القرار تحت وطأةِ الانفعال، فبينما يميل أحدهما إلى كبح العبارة واستباق عواقبها، قد يندفع الآخر إلى إطلاقها قبل أن يزن مآلاتها. ولعلّ المفارقة الأعمقَ أن ما يُنطق به في لحظة الغضب لا يكون دائمًا ترجمانًا لما استقرّ في النفس، فبعضُ الكلماتِ لا تُفصح عن حقيقة الرغبات بقدر ما تفضح شدّة الانفعالات.
درستُ طرائق القلوب ومسالك الطباع في تجاذب الوصل ووجع الصدّ، فألفيتُ الرجال والنساء صنفين متباينين، كأنما نُسجا من خيوط شجنٍ شتّى.
فالرجل كائنُ أُلفةٍ واعتياد، وفي ثنايا رجولته طفلٌ خفيّ متى حظي بظلّ عناية أو أَلِفَ يدًا ترتّب له صغائر أيامه بحنوّ، اطمأنّ إلى جناحها وركن إليه، وهذا الاعتياد الدارج يصير في عينيه حصنًا دافئًا فإذا ما غاب المألوف أو انثلمت تلك العادة التي أُوتيها، أتاه من الكَدَر والوحشة ما يردّ وجدانه إلى حال طفلٍ ضلّ لُعبته المألوفة.
والمثل في ذلك بائنٌ جليّ، كرجلٍ أدمن كيف تُصاغ له قهوته أو اعتاد نبرةً يُغسل بها غبار تعبه، فهذه الهوامش وإن دقّت تصير أوتادًا لاستقراره، فإذا تهاوت فجأةً تشتّتت سُبله واستوحش واقعه.
وأما الأنثى فمفطورةٌ على التحليق والتجدّد، نافرةٌ من كل ما اتّسم بالثبات والجمود، روحها كالغيم لا يرسو لها قرار، ترويها طراوة الاستهلال وتنعشها ومضات الابتكار، الرتابة في منطق شعورها خانقة والتكرار يوحي بالذبول وإن كسا حُلّة الوصل، إنها وإن هَوَت تظلّ تستدعي الدهشة إلى قلبها لتنقذ روحها من ركود الأيام وترنو بطرفها أبدًا إلى ما وراء الغمام.
هكذا تختلف الطباع، فرجلٌ يأنس بالاعتياد ويستوحش من الابتعاد، وامرأةٌ تحيا بالتجديد وتذوي بالتقليد.
جلستُ في محرابِ المحاضرةِ في ظهيرةِ يومنا هذا مع إشراقةِ وقتها فأبصرتُ ما أذهلَ اللُّبَّ وأيقظَ الشعور، رأيتُ الدكتورةَ وقد غَشيَها التعبُ وأخذَ الذبولُ مأخذَهُ من محياها، فما إن همّت بالشرحِ حتى استبقتْه بلقيماتِ فاكهةٍ تتقوّى بها على نفاذِ طاقتها وانخفاضِ جهدها، ثم أخذتْ تفسرُ المادةَ بهدوءٍ عظيمٍ وتفصيلٍ دقيقٍ، لا تدعُ فيه شاردةً إلا وعرتْها ولا غامضةً إلا جلتْها.
بل كانت تملأ السبورةَ وتُمحوها لتعودَ فتكتُبَ القوانينَ والمسائلَ وحلولَها ثلاثَ مراتٍ متوالياتٍ، لا تكرارًا للدرس بل لأن غزارةَ المادةِ وعمقَ التفصيلِ وفيرةٌ لا تسعها السبورةُ دفعةً واحدة!
العجبُ كلُّ العجبِ أنها تُلقي هذا الدرسَ بذاتِ الهمّةِ والنَّفس وذاتِ العطاءِ والقبس، منذُ الساعةِ الثامنةِ صباحًا وكأنها ما لَبِثتْ تُعطي المحاضرةَ إلا لتوّها! هدوءٌ يلفُّه إيثارٌ وإتقانٌ يعلو على كلِّ إعياء.
ربما يقولُ قائلٌ: "هذا واجبُها الذي أُجرت عليه وتلك طبيعةُ العمل" ونعمَ ما قالوا الأجرُ حاصلٌ والواجبُ مفروض ولكنْ.. بحسبِ ما وعيتُ وتعلّمتُ وشاهدتُ فإنَّ قلةً نادرةً من البشر هم من يملكون هذه القدرة، فالمتعارفُ عليه في طوايا النفوسِ وأحوالِ المهنِ أنَّ عطاءَ المرءِ في أولِ نهارِهِ أخصبُ بمراحلَ من عطائهِ في آخره، إذ يطالُ المزاجَ النصبُ والفتور بل تضيقُ النفسُ ذرعًا مع تطاولِ الساعاتِ والدهور.
ولا قُصارى الأمرِ واقفٌ عند حدودِ الإعياءِ الجسديِّ والكلل بل يتجاوزُه إلى أبهظِ التكاليفِ وأثقلِ الحِمَل، فإنه لأمرٌ ينوءُ به الكاهلُ ويشقى به العاجلُ، كيف للإنسانِ برغمِ تقلباتِ مزاجِهِ المرِّ وتزاحمِ همومِهِ الدفينةِ وعواصفِ صدرهِ الخفيّةِ أن يلزمَ نفسَه بلقاء طالبِه بوجهٍ وضّاءٍ وبابتسامةٍ ساكنةٍ ونفسٍ مطمئنةٍ لا يُشفّ عنها شيءٌ من مرارةِ الخفايا ولا أذى العناء! أمَّا أن يستويَ مستهلُ اليومِ ومنتهاهُ في تمامِ جودةِ الإيضاح وصفاءِ الوجهِ واللَّواح وغزارةِ العطاء، فهذا مرتقىً لا يرقاهُ ولا يقوى عليهِ إلا نوادرُ الخلقِ من أربابِ الإخلاصِ الأبرار.
لَعَمري إنَّ مهنةَ التدريسِ لعظيمةٌ قدرًا، قاسيةُ الأعباء، لا يدركُ كنهَ عنائها ولا يسبرُ غورَ مشقتها إلا من مارسَ جمرَها واكتوى بتبعاتها، فما التدريسُ بوظيفةٍ تُرتجى أُجرتُها بل هو أمانةٌ ثقيلةُ الأثقال ورسالةٌ باهظةُ التكاليفِ والمثال، لا يقوى على اضطلاعِ حِملِها ولا يصبرُ على جمرِ أدائها إلا الأرواحُ العاليةُ والنفوسُ الأبيّة، ومن أجلِ هذا أرفعُ آياتِ التبجيلِ محييةً كلَّ معلّمٍ ودكتورٍ تفانى في أداءِ هذه الأمانةِ بصدقِ اليقين، ولودِدْتُ لو أنَّ لميدانِ التعليمِ قسمًا ركينًا وميثاقًا غليظًا يُؤطِّرُ عراها ويحفظُ لهذه الجهودِ العظامِ قدرَها ومكانتها.
Reyof retweeted
رأي شخصي، وقد لا يتفق معه الكثيرون ..
أن المرء لا يبلغ ذروة الوعي؛ حتى يُدرك أنّ الكتب وحدها
لا تصنع الخبرة، ولا تحلّ المشكلات
على أني أميرةُ الهوى في الشعرِ الفصيح، ولا أطربُ إلا لبيانهِ المليح إلا أني أحيانًا أصطدم بقصائد نبطية تبلغُ من عُمق المعاني وصدق الحدس مبلغًا يَطغى على عُجمة اللفظ، فتأسرُ الألبابَ وتُطري الإعجاب.. ومِن بدائع ذلك ماجادَ به الشاعر عكاش العتيبي:
"ورمي الركاده غير رمي التماتيك
والفرق في هذي.. وهذي غرضها
ما يجعل الأحرار مثل المماليك
إلا معاريف الرِّجــال فبعضها"
أتساءل.. هل في وسع الكاتب أن يفكّ قيود وليدِهِ الأول، فيُخرجه من عتمة المسودات إلى وضح النشر، عاريًا من كل تنقيحٍ ولاحق صقل باقيًا على طهره الخام كما خطّه يراعُ البدايات؟
أيملُك جرأةَ البعث فيُطلق أولَ ما خطّه قلمُه ليواجه النور بطفولته العريقة، أم إنَّ في إشهار تلك البكورة على ممرّ الأعين جنايةً على تمام الصنعة، وإخراجًا لضعفٍ انقضى أوانه فكان أحرى بالستر وأجدر بالدفن؟
لا تقولوا صباح الأربعاء، فما للأربعاء فجرٌ يُرجى ولا لجانبه بَلَجٌ يُرتجى بل هو ليلٌ مديدُ الرواق رابضٌ فوق الأعناق، ما بين عياءٍ أضنى الحِجا وهلعِ غدٍ أطالَ الشَّجا، هو ليلٌ لا يعقبُه نهار وسوادٌ تَراكم فيه الأكدار، فكأنّ الساعاتِ فيه قتاد وكأنّ الأنفاسَ فيه حداد، لا الصبحُ أضاءَ جنباتِهِ ولا الظلامُ أراحَ خطواتِهِ بل هو دجىً يجرُّ دجى وهمومٌ تغشى مَن دجى!
وإن كان ما ذهبت إليه من التصحيح حقًا لا ريب فيه، فالكلام وإن صحّ مبناه فقد يفسد معناه إن غاب عنه حسن اختيار المقام، والرجل في غمرة فرحته العارمة بنيله درجة الدكتوراه تكاد تطير نفسه بهجةً، وفي مثل هذه اللحظات التي يغمرها السرور، يُعذر المرء إن زلّ قلمه أو غاب عنه تدقيق الحرف، ولعلّ التلطّف وتهنئة الرجل أولى من استعراض القواعد في ساعة فرح.
ما كنتُ بالقارئة الشغوفة التي تتبعُ أثر اليراع ولا كنتُ ممن تُعنى بأسماء الكُتّاب، أحياءً كانوا أم أمواتًا نساءً أم رجالًا، كانت دروبُ الكتبِ غريبةً عن خطاي إلى أن ألقى القدرُ يومًا بيني وبين زميلٍ لي نهمٍ بالقراءة، حوارًا انعرج بنا نحو باحةِ الأدب.
يومها انبرى زميلي يرمي بلسانٍ ساخطٍ عَلَمًا من أعلامِ الفكر هو عباس محمود العقاد فوصفه بأقسى النعوت ورمى طباعه بالدناءة والخُبث، وهو ممن يعشق الرافعي وينقاد لرأيه عميانًا حتى إنه أكّد لي أن الأديب الفذّ مصطفى صادق الرافعي قد طالهُ بلسانِ الذّم في بعض كتبه، مرّ ذلك الكلام على أذني مرور السحاب إذ لم يكن الشأن شأني ولا الباب ببابي فأعرضتُ عنه متجاهلةً ما قيل.
لكن الأقدار تأبى إلا أن تحيك خيوطها الخفية، فقبل أيامٍ معدودات تراءت لي عين البصيرة بمنشورٍ لقارئٍ آخر كان يتأبط كتابًا فريدًا للعقاد يُدعى "أنا" لفت انتباهي العنوانُ وكفى، لكنه لفتٌ أيقظ في الصدر رغبةً خفيّة وشعورًا مبطنًا بأنّ خلف هذا الاسم سرًا يستحق التجلي.
منذ تلك اللحظة وجدتُ نفسي أنخرطُ في رحلةِ بحثٍ غريبة، فما كنتُ يومًا ممن يُقبِل على قراءة الكتب لكن شيئًا ما جذبني لأطالع أخباره وأستجلي كنهَ ذلك الخلاف العاصف الذي دفع شاعرًا وكاتبًا كبيرًا كالرافعي إلى معاداته والشناعة عليه حتى وجدتُ ساحة الأدب تعجّ بفرسانٍ تتصادم سيوفهم وكلٌّ يرى الحق في زاويته...
ولكن ما إن توغلتُ في فكره وشخصيته حتى غمرني إجلالٌ عظيم وأدركتُ كم تتلاقى طباعه مع طباعي وتفاصيل روحي.
ففوجئتُ برجلٍ عقلانيّ صارم، لا يقنع بالسطوح ولا يرضى بالتسليم للتقليد الأعمى بل يزن الأمور بمنطقٍ تحليليّ دقيق، ورأيته شجاعًا لا يهاب، يمتلك صلابةً نفسية وجرأة عالية في قول الحق والدفاع عن مبادئه دون وجلٍ أمام سلطةٍ أو سطوة غريم.
إنسيٌّ واثق بنفسه إلى حد التعالي يرفل في اعتدادٍ مطلق بموهبته وعقله الفذّ، لا يعبأ بكلام خصومه ولا يلتفت لسهام المرجفين، وهو عصاميّ نهم لم تره صفوف المدارس العليا بل صنع ثقافته بساعديه من خلال القراءة الموسوعية وغزارة الاطلاع، مستقلّ فكريًا يأبى التبعية الحزبية أو الانقياد الأعمى ويكتب ليقول الحق كما يراه هو.
وهو فولاذيّ الطبع، لا يعرف في قاموسه أنصاف الحلول بل يبدو عنيفًا وحاسمًا في خصوماته الفكرية والأدبية، وأخيرًا هو زاهدٌ في ملذات الدنيا جعل مكتبته والكتب شغله الشاغل وقضى حياته كلها متفرغًا للقراءة والتأليف.
وحين أمعنتُ النظر في تلك الخصال الفذة تهاوت في عيني كل التهم والخصومات القديمة فأمثال هذا الفذّ لا يُفهمون إلا لمن يملك في ذاته شيئًا من لغتهم وعمقهم، ولعلّ أعجب ما في الأمر أنني لو عزمتُ يومًا على كسر جفاء عزلتي مع الكتب، لكان كتاب "أنا" للعقاد هو أول ما تمتد إليه يداي!
إن هناك لظاهرةً عجيبةً تستوقف التأمل، إذ تُلفى بعض الكلمات كأنما خُصِّصت لأشخاص بأعيانهم، فالتصقت بهم واقترنت بأسمائهم حتى لكأنهم نَسَجوها من طين أرواحهم، فحين ينطق أحدهم بكلمةٍ عارضةٍ، تترسخ في الذاكرة بوعيٍ أو بغير وعي لتغدو علامةً فارقة تذكره بها كلما لاحت في سياقٍ أو ترددت على لسان غيره.
وهذا الارتباط الخفي بين اللفظ وصاحبه يعكس أثر النبرة وصدق الوقع فالكلمات لا تُستمد من معجمها المجرد فحسب بل تُستمد أحيانًا من هيبة قائلها وفرادته، لتتحول المفردة العادية إلى توقيعٍ ناطق يعيد استحضاره في كل مرة تُقرأ أو تُسمع فيها.
حين تبلغ العزلة العقلية مداها، لا يعود يستهوي المرءَ ارتيادُ المألوف من السبل ولا يطربه صخب الجمهور وهم يتغنّون بفضائلهم المصطنعة، أحيانًا تصيبني رغبة باردة ومتأصلة في أن ألتقي بأسوأ إنسان أنجبته هذه الأرض خطرًا وأكثرهم فسادًا وانحرافًا رجلًا كان أو امرأة، لا فرق فالتطرف في السوء فنّ لا يقر بتجنيس.
ما يغوي الفكر الأبيّ حقًا هو النزول إلى تلك الدوائر السفلى من النفس البشرية حيث ينطوي السوء على نفسه متقوقعًا في أصفى تجلياته، العاديون والمنتظمون في صفوف الفضيلة لا يثيرون سوى الضجر فهم كتب مفتوحة ومملة بخط واضح، أما هؤلاء القابعون في أقصى زوايا الانحراف البشري هم وحدهم من يستحقون عناء التأمل.
لذا فإن غاية أمنياتي هي أن يجمعني القدر بذلك الكائن الذي تفرّد بصدارة الانحراف وقمة الخطورة، لا لأخوض معه معركةً بيزنطية ولا لأمارس عليه دور الوعاظ الأوصياء فتلك مساعٍ تعنيهم ولا تعنيني، أنا أنشده لأجل متعة أسمى بكثير: متعة التشريح والتعالي المعرفي.
أريد أن أجلس أمامه، واضعةً ساقًا على ساق ببرود تام، مستندةً إلى كبرياء من يعلم أنه يرى ما لا يدركون، أتأمل بعقلٍ صارم يختبر عيّنته كيف يتصارع الدم والظل في أعماقه، أريد أن أتتبع تلك الشرارة الأولى، المنعطف الخفيّ الذي زاغت عنده البوصلة فاستبدل النور بالعتمة المُطلقة. ما هي تلك الدوافع الانفعالية الخام التي ترسبت في قاع روحه فصنعت منه وحشًا؟ وما هي منشطات هذا الشعور المظلم؟ أيّ وقودٍ خفيّ يغذي ذلك الجحيم الداخلي ويمنحه استمراريته؟
إنّ النفس السوية كتابٌ مكرر ومفتوح يقرؤه العوام بلا عناء، أما أولئك القابعون على حافة الهاوية البشرية فهم وحدهم النصّ المعقد الذي يليق بحدستي، سأستنطق خبايا ذلك العقل الموبوء لا لأداويه بل لأدرك كيف يُصنع السوء ببراعة، ثم أغادر الجلسة وأنا أرى خيوط تحريكه واضحة أمامي كخطوط كف، ملوحةً له بتفوق هادئ يعرف تمامًا كيف يقرأ ما عجز الآخرون عن تحمله واثقةً من أنني أدركته تمامًا بينما هو عاجز حتى عن فهم نفسه.
على غيرِ جديدٍ وفي ذاتِ الرتابةِ المُفجِعة، صباحُ الأربعاء هذا الوتدُ الصدئُ المغروزُ في منتصفِ العمرِ الأسبوعي، واليومُ الذي تُحاكي رَحاهُ مشيةَ السلاحفِ العرجاء، لا حماسَ يُنقذُ أولَهُ ولا أملَ يبررُ آخرَهُ، بل هو استنزافٌ مجانيٌّ للأنفاسِ والعزم، ألا تبًا لهذا الممرِّ الضيقِ الذي يتسعُ فقط لكلِّ ما يُكدرُ الصَّفوَ ويُثقلُ الروح!
فاللهم عصفًا يُزلزلُ ركودهُ وخلاصًا يغسلُ طينهُ وبلوغًا لخميسِنا نقيًا سالمًا من أذاه!
عجبًا لهذا الإنسانِ وغدوِّه كيف يمضي إلى معاشه ومحتدّ سعيه، فيُطالع العيون بوجهٍ وضّاحٍ وهندامٍ قشيب وشعرٍ قد أُقيم على غاية التأنُّق والتسوية، ثم يُزجي البشاشة الرضية إن طُلبت منه كأنما لم يمسّه سوءٌ قط ولا التاع بضرّ!
وفي خفايا الغيب لا يحيط بالعواصف الهوجاء التي هضمت أركانه ولا باللهاث المرير الذي أقعد خطاه قبيل مجيئه إلى معترك كسبه إلا الباري الذي فطر قلبه، ويعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصمّاء في الليلة الظلماء.
ثم يجتمع المرء برفقائه وأمرائه، فإذا كلّ واحدٍ منهم في مجلسه كأنه طودٌ أشمّ لا تلوي ريحٌ أعطافه، وما ذاك إلا لأن في صدر كلّ إنسانٍ منهم من الجمر المكتوم ما يكفيه ومن الأسى الدفين ما يُطغيه فهم يرتدون رداء الصبر المتين ويحجبون خلف قناع السكينة بِركًا من اللهب المحرّق.
تتلاقى المُحيّات بالبشر والقبول وكلُّ وجهٍ منهم سفرٌ مغلق طُويت دفّتاه على رزايا لا يعلم حقيقتها إلا خالقها، فسبحان من ألهم هذه النفوس اصطبارًا يعجز عنه الحجر وجعل في طيِّ الكتمان أعظم معاني الجَلَد والصمود.
فيا لروعة البشر وهم يطوون جراحهم في كفن الكتمان، يبتسمون للدنيا وقلوبهم ترتجف فما أطهر هذا الجلد وما أعظم هذا العزاء!


