Pinned Tweet
أهم 10 علامات على وجود تلاعب في القوائم المالية
ليس من الضروي أن تكون مُحلل أسواق مال أو بائع على المكشوف مُحترف حتى تستطيع أن تُحدد علامات التلاعب في القوائم المالية للشركات … إليك أهم 10 علامات أو شارات حمر (Red Flags) تُشير إلى وجود تلاعب أرقام القوائم …
في دراستك للعلوم المالية والشهادات المهنية قابلت مفهوم الاحتيال أو الـ Fraud، والذي يستلزم إثباته أن يكون هناك ضرر مالي ملموس يمكن قياسه بالأرقام، فإذا لم يخسر أحد أموال، أو إذا كانت الخسارة غير قابلة للإثبات الدفتري، فغالبًا لا توجد جريمة احتيال.
وجريمة الإحتيال هنا هي جريمة ضد السوق ليس إلا، ويُعاقب المرتشي والمزور لأنه أخلّ بآلية المنافسة الرأسمالية العادلة.
ولأن المنظومة هنا هي منظومة قانونية جافة، وتنطلق من قدسية العقد المادي وليس العقد الأخلاقي، ظهرت منطقة رمادية يمكن التحرك فيها، فإذا استطعت أن تخدع الناس وتستنزف أموالهم بطريقة لا تخالف القانون حرفيًا (عبر عقود معقدة، رسوم مخفية، مشتقات مالية مبهمة كما حدث في أزمة 2008)، فهذا لا يُسمى احتيال … يُسمى ذكاء مالي (Financial Engineering).
ولأن المصطلحات لا تُصك بحيادية وبدون سياق حضاري، لا ينبغي أن نترجم هذه الكلمة حرفيًا، يجب تجريدها من سياقها الحضاري ونزع عنها كل التحيزات المعرفيه ثم عرضها على منظومتنا المعرفية ومعجمنا اللغوي … وإن فعلت ذلك ستجد أن:
١- لا توجد كلمة واحدة توازي الاحتيال … نحن لدينا منظومة مفاهيمية أوسع تحاصر الجريمة روحيًا وماديًا … فنحن لدينا التطفيف … والتطفيف لا يعد سرقة بالإكراه، بقدر ما هو احتيال ممنهج وخفي، فالمطفف (مثل صاحب الشركة الاحتكارية اليوم) هو من يستخدم السيستم (المكيال والميزان) ليسرق هوامش بسيطة من ملايين الناس لا يلاحظونها، لكنها تصنع له ثروة ضخمة.
والقرآن جعل التطفيف كارثة تستحق الويل لأن التلاعب بالمعايير (بغض النظر عن حجم المبلغ المسروق) يهدم الثقة التي هي أساس استخلاف الإنسان في الأرض.
(وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ).
٢- ولدينا أيضًا أكل أموال الناس بالباطل … وهذا المفهوم ينسف المنطقة الرمادية الرأسمالية، فأي ربح يتحقق بدون قيمة حقيقية مضافة وبدون تراضٍ حقيقي وشفاف هو باطل، وهذا يشمل الاحتكار، الغرر (بيع المجهول)، والرسوم المخفية، حتى لو تمت صياغتها في عقود قانونية معقدة يوقع عليها العميل وهو لا يفهمها.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ).
٣- ولدينا مفهوم الغش والخيانة … والغش هنا ليس مجرد إخلال بعقد تجاري بقدر ما هو انسلاخ من الجسد الاجتماعي والأخلاقي (فليس منا)، فخيانة الأمانة تقطع صلتك بالأمة وببركة السماء، بينما الاحتيال في الغرب يُسقط عنك الأهلية القانونية أو يُلزمك بغرامة مالية فقط، وتستطيع بعدها فتح شركة أخرى بأسماء مختلفة.
"مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا".
وبعد أن عرفت ذلك … هل ترى أن استدعاء مفاهيم مثل التطفيف والغش وأكل أموال الناس بالباطل في مناهجنا الإدارية والمالية بدلاً من الاحتيال يمكن أن يعيد الروح واليقظة لبيئة الأعمال العربية، أم أن تيار السوق أقوى من المصطلحات؟
Show translation
العالم الذي صُنع في غيابنا
▪️من أكثر الأشخاص الذين كان لهم تأثير في الرؤية المعرفية الغربية "تشارلز داروين"، الذي تستند فلسفته المعرفية على استبعاد الإله من أي منظومة معرفية وأخلاقية، وأن الصراع والتقدم اللانهائي صفة من صفات الوجود الإنساني، والإنسان والمادة هما مركز الكون ولا قداسة لأي شيء، وترتب على ذلك فصل كل القيم الدينية والأخلاقية عن الحياة العامة.
▪️ثم انتقل دُعاة الداروينية من اعتبار أن الإنسان هو مركز الكون إلى اعتبار أن الإنسان الأبيض فقط هو مركز الكون، والطبيعة وبقية الشعوب مادة استعمالية تُسخَّر وتُوظَّف لصالحه.
▪️فانقسم العالم إلى مُستغِلين ومُستغَلين، وبالفعل وصل الرجل الأبيض الغربي لمستوى عالٍ من التقدم والرفاهية على حساب الشعوب الأخرى.
▪️ومع الوقت توحشت الرؤية المعرفية المادية ولم تُعطِ قداسة للرجل الغربي أيضًا، وحولته لمادة استعمالية يمكن التحكم بها، فأصبح مُحاصرًا بأجهزة إعلام تُشكل وعيه وتصوغ أحلامه وتُصعّد توقعاته، وبصناعات تدمر بيئته، وإعلانات، وإيقاع حياة سريع رتيب يقضي على إنسانيته.
▪️ترتب على هذه الرؤية الثورة الصناعية، ولكي تنجح فهي تحتاج استهلاكًا قويًا من الإنسان، وتسخير موارد البيئة للإنسان الصناعي، وترشيد وتوفير النفقات.
▪️والتقدم الصناعي اللانهائي وخلق الاستهلاك والتشجيع عليه كان له أثر بالغ على البيئة، فظهرت مشكلة التغير المُناخي التي أثرت على حياة سكان الكوكب وكذلك على أرباح الشركات، فأصبح الإنسان الصناعي يفكر كيف يوازن بين الحفاظ على موارد الكوكب وإرضاء المُستثمرين والأسواق التي لا تقبل إلا بمعدلات نمو لانهائي، وذلك من خلال إجراءات غير مُلزمة تُسمى معايير الاستدامة.
▪️وكما احتاجت الثورة الصناعية تسخير الموارد لترتفع الإيرادات، كان لابد من ترشيد النفقات، فتم استبعاد الإنسان العامل جزئيًا والاعتماد بشكل كبير على الآلة، ونتج عن ذلك تحسين الإنتاجية والجودة.
▪️ومع تصاعد معدلات الترشيد بدأ البحث عن أفضل الوسائل لتحقيق الغايات، فأصبحت القضية كيف تتحقق أعلى معدلات الأرباح بغض النظر عن نوعية المنتج، فالإجراءات هي الأهم لا الغايات.
▪️فبدأت الشركات تنفك عن النشاط الصناعي والصناعات التي تحتاج أصولًا ضخمة واتجهت إلى النشاط الخدمي والمالي وإنتاج السلع سريعة الحركة والاستهلاك، ولا تهم نوعية هذا النشاط حلالًا كان أم حرامًا.
▪️ومع التحام التقدم التكنولوجي بالنشاط الخدمي والمالي تحديدًا نتج حجم كبير من البيانات والمعلومات يحتاج وقتًا ومجهودًا لتحليله.
▪️فبدأ التفكير في الاستعانة بالماكينة لمعالجة هذه البيانات بنقل الذكاء البشري إليها فقط، فهي تنفذ ما حدده الإنسان من خلال الأكواد البرمجية الشرطية والخوارزميات، وهو ما يسمى بالذكاء الاصطناعي المحدود الذي يؤدي مهمة واحدة فقط.
▪️ومع هيمنة اقتصاد الدين ورأسمالية النمو تطور الأمر إلى أن وصل إلى ما عليه الذكاء الاصطناعي الآن، وبدأ الحديث عن استبدال البشر به، والهدف توفير النفقات وزيادة الأرباح ليس إلا.
▪️فأصبحنا نسمع عن موجات تسريح ضخمة للموظفين، وشركات الشخص الواحد … والكلام الآن يدور حول الوصول للذكاء الاصطناعي العام الذي يشبه ذكاء البشر، والذي لو لم تتم السيطرة عليه سيدمر الإنسان.
والعامل المشترك في هذا التطور هو الاستغناء عن الإنسان بل والتنافس على تدميره … فلا أدري ما مشكلتهم مع الإنسان!!
فأصحاب شركات الذكاء الاصطناعي يبيعون التكنولوجيا للمستثمرين بأنها ستقتل الوظائف وتستغني عن الإنسان، ومع كل وظيفة تُقتل وتختفي يزداد صاحبها فقرًا وتزداد فئة من الناس (المستثمرون) غنًى …
في إطار التعاون بين كِنـــاز وشركة مهام للاستشارات المهنية تطبيق معيار العرض والإفصاح الجديد (IFRS 18) … نفذنا أمس ورشة عمل لعملاء شركة مهام في المملكة العربية السعودية.
تناولت الورشة شرح كامل للمعيار + حالة عملية + آليات التطبيق العامة + دور كل إدارة والمخرجات المطلوبة من كل الإدارات للتطبيق الكامل للمعيار.
وكما تعلم … المعيار سيسري تطبيقه بداية من يناير ٢٠٢٧ ويلزم تطبيقة بأثر رجعي على أرقام ٢٠٢٦ … لذلك لديك فقط ثلاث شهور ونصف يمكنك فيهم تهيئة الأنظمة ودليل الحسابات لتجنب التدخل اليدوي في أرقام ٢٠٢٦ ..
الحمد لله على التمام … وشكرًا لكل من حضر من العملاء … وشكرًا لشركة مهام على هذه المبادرة …
مع بداية العام الدراسي الجديد تفاجئ أحد الآباء بارتفاع مصروفات المدرسة والأتوبيس للضعف … فأخبر ابنه بأنه مُضطر أن ينقله لمدرسة أخرى … فبكى الطفل وقال كيف يا أبي اتخلى عن خمس سنوات في المدرسة فيها ذكرياتي وأصدقائي؟
هذا الموقف لفت انتباهي إلى أن أغلب الخطاب السائد عن التضخم والظروف الاقتصادية الصعبة يُركز على أن التضخم يسرق قيمة النقود من جيوبنا ويضرب قيمة مُدخراتنا … إلا أنه هناك جانب مُظلم للظروف الاقتصادية الضاغطة لا يتطرق إليه الكثير، وهو أنها أيضًا تسرق الرأسمال الاجتماعي والذاكرة الإنسانية … كيف يحدث ذلك ؟
تدني الظروف الاقتصادية والتضخم يأكلان القيمة الحقيقية للراتب فيظل الفرد يطارد عروض عمل أعلى لكي يحافظ على نفس مستوى المعيشة، وهذه المطاردة تتطلب حركة جغرافية دائمة، وتلك الحركة تجعل الكثير منا يعيش بعقلية الترانسفير والإنسان الترانزيت والتي يترتب عليه حالة من اللا انتماء لا تسمح لنا بالاستقرار ومد الجذور في أرض واحدة … كلنا اليوم أصبحنا مستعدون لحزم حقائبنا وترك أصدقاء العمر ورفاق الدرب بمجرد أن يلوح عقد عمل براتب أفضل، لأن البديل هو ما تعلم … فعلاقاتنا اليوم هي علاقات حتى إشعار آخر.
والأمر ينسحب كذلك على الروابط الأسرية … فالأخ والأب والابن كذلك يفعلون ويتحولون تحت وطأة الغلاء إلى وحدات اقتصادية مُنفصلة تبحث عن النجاة الفردية، وفكرة العزوة والمجتمع التراحمي الذي كان يمتص صدمات الحياة ويوفر الملاذ الآمن، تم تفكيكه جغرافيًا ونفسيًا وأصبح غير موجود.
ومع الوقت تكتشف أنه ليس لديك ذكريات، لأن الذكريات كي تُبنى تحتاج حيز مكاني وزماني مُشترك ومُتراكم وذلك غير متحقق عند الكثير منا اليوم …
الأمر يصل حتى لأطفالك … فعندما تضطر كأب لنقل أطفالك من مدرسة لأخرى، أو من حي لآخر بسبب الظروف الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، أنت لا تغير محيطهم فقط، ولكن تقطع حبل دوائرهم الاجتماعية، وبشكل لا واعي يُورث هذا للأجيال الجديدة حالة من الاغتراب المبكر، فهم أطفال بلا أصدقاء طفولة يمتدون معهم، وبلا حنين لمكان ثابت، مما يجعلهم أكثر هشاشة واستعدادًا للتخلي عن علاقاتهم مستقبلاً لأنهم اعتادوا الفقد.
أين المشكلة الكبرى؟
الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل وهي تعمل مع حكومة فرنسا الحرة في المنفى سألت … ماذا لو الحرب انتهت وقمنا ببناء فرنسا من جديد، ما أهم ما يحتاجه الإنسان كي يعيش نفسيًا بشكل سليم؟
جوابها كان عبارة عن كتاب لها بعنوان " الحاجة إلى التجذّر "، والتجذّر هو أن يكون الإنسان عضو حقيقي وفعّال في جماعة توصله بماضي محفوظ (تراث، ذكريات، تقاليد) وبمستقبل متوقع (إحساس إن أولاده وأحفاده سيكملون نفس الخط).
وعكس التجذر هو الاقتلاع … وأكثر ما يقتلعنا اليوم هي القوى والظروف الاقتصادية التي تعاملنا كأرقام ووحدة إنتاج قابلة للنقل من مكان لمكان فنفقد الجذور.
وأخطر ما قالته سيمون في كتابها أنه "من اقتُلع يقوم بالاقتلاع ومن كان مُتجذرًا لا يقوم بالاقتلاع " فالأب الذي اضطُر أن يترك جذوره بحثًا عن الراتب الأفضل، يورث لأطفاله نفس القابلية للفقد … ذلك لأن الأب أصبح يرى العلاقات والانتماء أمور مؤقتة وحتى إشعار آخر وقابلة للفك …
وتلك هي المشكلة الكبرى … أن يومًا ما سنصبح كلنا بلا جذور وبلا ذكريات.
Walid Yassin retweeted
التخصص مهم لأنه يجعلك أكثر كفاءة، لكن المشكلة عندما يتحول إلى سجن فكري.
تبدأ حياتك بتعلم أشياء كثيرة، ثم تدخل سوق العمل، ومع الوقت تتخصص أكثر فأكثر حتى تصبح خبيرًا في جزء صغير جدًا من منظومة كبيرة. وتبدأ تقرأ وتتعلم فقط ما يخدم وظيفتك، وتتعامل يوميًا مع نفس الأشخاص والمشاكل والمصطلحات.
وهذا ممتاز للشركة، لكنه قد لا يكون ممتازًا لك. لأن كثرة التكرار قد تضعف فضولك وقدرتك على التفكير خارج الإطار الذي اعتدت عليه.
لذلك قد تجد شخصًا ممتازًا جدًا في تخصصه، لكنه عندما تتحدث معه في التاريخ أو الاقتصاد أو السياسة أو الاجتماع أو الفلسفة تجد معرفته محدودة جدًا.
وأنا أرى أن الإنسان يحتاج أن يوازن: يتعمق في تخصصه، لكن لا يعيش داخله.
لأن الواقع مترابط؛ الاقتصاد يتأثر بالسياسة، والسياسة بالتاريخ، والشركات بالمجتمع، والقرارات المالية بسلوك الإنسان، وكل هذه الأمور تؤثر في بعضها.
فالقراءة خارج تخصصك ليست ترفًا، بل وسيلة تحافظ بها على فضولك وقدرتك على رؤية الصورة الأكبر.
وهذا أكثر ما لفتني في إبراهيم عادل؛ تخصصه الأساسي تعليم اللغة الإنجليزية، لكن عندما يتحدث خارج تخصصه تجد عنده معرفة واسعة وربطًا بين مواضيع مختلفة، وكأنه بحر بلا ساحل.
تخصصك يعطيك عمقًا، لكن اتساع معرفتك يعطيك سياقًا.
اعجبتني نقلا من الاستاذ @walidyassinacca
فكر معي في يومك العادي …
تستيقظ في نفس الموعد، تذهب إلى نفس المكتب، تؤدي نفس المهام وتجلس أمام نفس الملفات، وتتعامل مع نفس الأشخاص والمصطلحات، وتحل نفس النوعية من المشكلات.
ثم تعود إلى البيت … مُتعبًا … فتستهلك نفس نوع المحتوى والتطبيقات، وتتحدث مع نفس الدائرة من الأشخاص، وعند خروجك مع زملاء العمل تتحدث في نفس الموضوعات … وتعمل على تحسين مهاراتك وتقرأ وتتعلم ما يحتاجه عملك من شهادات وكورسات …
هذا ما نسميه اليوم التخصص المهني الذي يبيعه السوق لك كميزة للالتحاق بالشركات الكبرى …
في كتابه "ثروة الأمم"، قال آدم سميث أن التخصص يرفع الإنتاجية بصورة كبيرة لأن التكرار يصنع المهارة، ويوفر الوقت الضائع في التنقل بين المهام، ويدفع إلى ابتكار أدوات أفضل.
هذه الفكرة نفسها هي ما تحكم حياتك المهنية اليوم، فبعد أن بدأت مسارك بتعلم المحاسبة والمراجعة والتمويل والاقتصاد ككل، ينتهي بك الأمر بعد سنوات متخصصًا في فرع واحد وفي بعض الأحيان جزء من فرع (محاسب عملاء أو مدفوعات أو في الإيرادات).
وبنية الشركات الرأسمالية الكبرى مبنية على هذه الفكرة، فتجد داخل الإدارة المالية تخصصات عديدة كل يعمل في جزيرة مُنعزلة بلا سياق … ولكي لا يتوقف نظام الشركة على عبقرية موظف واحد، تُكتب الـ SOPs، والسياسات والإجراءات، حتى ترتبط الخبرة بالمؤسسة وليس بالشخص نفسه، وكل ذلك جيد للمؤسسة ويمنحها القدرة على استبدال أي موظف والتحكم به والاستغناء عنه ولو كان عبقريًا.
لكن سميث نفسه، في الكتاب الخامس من "ثروة الأمم"، عاد وسأل … ماذا يحدث للإنسان الذي يقضي حياته في أداء مهمة صغيرة متكررة؟ وكانت إجابته أنه قد يفقد تدريجيًا عادة التفكير وبذل الجهد العقلي، حتى يصبح ذهنه خاملاً ومحدودًا وبه قدر من البلادة.
ولذلك قلما تجد في الشركات من يرى الصورة كاملة … من يضع الأرقام في سياقها الاقتصادي والتجاري والاجتماعي والسياسي ويسأل الأسئلة النقدية الكبرى … ذلك لأن التخصص والخبرة التي منحتك القدرة على تفسير الأمور بسرعة، قد تجعل بعض التفسيرات المألوفة تبدو طبيعية أكثر مما ينبغي، فتضعف شكك المهني بدلاً من أن تقويه.
واسحب هذا الحديث على حياتك الخاصة … فالانخراط المُفرط في تخصصك لا يُبقي شيء منك خارج عملك، ولا يُبقي لك فضول في موضوعات خارج تخصصك …
فيا أيها المُنغمس في تخصصك فقط … هل تستطيع الاستماع إلى حجة من خارج مجالك وتفندها، هل يمكنك الحديث عن التاريخ والفلسفة والسياسة والاجتماع والاقتصاد وتستدعي أقوال المفكرين … هل تستطيع تفسير بعض الظواهر التي صُنعت في غيابك … هل تفهم كيف يعمل النظام المالي الذي صُنع في غيابك … هل تستطيع أن تتحدث خارج تخصصك وتُثري من يستمع عليك ؟
إن المحاسبة والمالية والاقتصاد والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع وعلم النفس والشريعة والهندسة كلها علوم متشابكة، ولا يمكنك أن تفهم ما يحدث حولك وتتخذ قرارت سليمة دون فهم هذا التشابك … لا يمكن أن يكون حديث عذب شيق دون أن تنال نصيبًا من هذه العلوم …
لذلك قدم سميث حلًا لمشكلة البلادة الناتجة من التخصص بأن يتعلم الفرد كل يوم شيء جديد وأن يقرأ خارج تخصصه … فأقرأ …
الذي دفعني لكتابة هذا المقال هو حلقة بودكاست للأستاذ إبراهيم عادل … الرجل رغم باعه وتخصصه في تعليم اللغة الإنجليزية إلا أنه عندما يتحدث خارجها فهو بحر بلا ساحل.
في أزمة أزلية موجودة في الطبيعة البشرية وهي أزمة الكيف مقابل الكم … وده اللي عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله " إنَّما النَّاسُ كالإبِلِ المِائةِ، لا تَكادُ تَجِدُ فيها راحِلةً "
والراحلة هنا هي الإبل اللي عندها قدرة على الارتحال لمسافات أطول وده أمر يتطلب صبر وصلابة ومكابدة وبطىء يغذي الاستمرار …
الأزمة دي بنحس بيها أوي في ظل وجود السوشيال ميديا … أول ما تفتح تليفونك بتلاقي آلاف الأصدقاء، ملايين المتابعين، وكميات لا نهائية من المنشورات ومقاطع الفيديو، بس كام واحد نور عندك فكرة معينة، كم واحد اتكيفت من منشور كتبه، كام تعليق دخل نفوخك وأضاف ليك أكتر من المنشور أو المقطع نفسه!!
للأسف طحنة الحياة والشغل خلونا موظفين مستهلكين بمقاس واحد … خلونا نسخ مكررة سهل التحكم فيها … نسخ تستهلك نفس الماركات، وتتأثر بنفس الإعلانات، وتعمل في نفس الهياكل الوظيفية دون طرح أسئلة كبرى … وقلما تجد أشخاص متفردين فكرهم وعقلهم وطريقة نقدهم مختلف.
وكمان أم فكرة البيرسونال براندنج دي زودت الطين بلة وبقينا شايفين إن في رواحل كثيرة حوالينا … و فجأة تكتشف إن طريقة تفكيرهم ونظرتهم للأمور بتقول إنهم من الإبل المائة عادي …
بس خد بالك من نقطة مهمة … الحديث الشريف يوصف الطبيعة البشرية مش بيقلل من عموم الناس أو الإبل المائة … الإبل المائة مش حاجة بسيطة، بالعكس دي ثروة كبيرة تقوم عليها الأمم، والمجتمع البشري لا يمكن أن يتكون من مائة راحلة وإلا اختل توازن الحياة.
الحديث النبوي بيقولك إنك هتلاقي صعوبة في إيجاد الراحلة وأوع تنخدع أو تنبهر بأي حد من الوهلة الأولى …
وهنا تتجلى عبقرية الوصف النبوي … ففي المرعى، تقف المائة إبل كلها متشابهة … تمتلك نفس الضخامة والهيبة، ومن ينظر من بعيد ينبهر ويظن أن بإمكانه شد الرحال على أي واحدة منهم، لكن الراحلة لا تُكتشف بالنظر والمظهر … الراحلة تُكتشف بوضع الحمل، وطول الطريق، ووعورة المسار.
وده وصف عبقري للطبيعة البشرية … في أوقات الرخاء، أو في بدايات العلاقات، أو في المقابلات الشخصية الأولى (First Impressions)، الكل بيكون في أبهى صورة، ومستعدين لتحمل المسؤولية، لكن عند أول أزمة تظهر القدرات الحقيقية.
وهنا يتجلى خطر المنظومة المادية المعاصرة اللي وفرت أدوات لتزييف الوهلة الأولى … السير الذاتية والبروفايلات المنمقة، الصور الاحترافية المفلترة، والمصطلحات الإدارية الرنانة، والكلام المرتب … كلها أدوات مصممة عشان تخلي الإبل العادية في عين الناظر كأنها رواحل.
فتأمل …
تسمع في بعض الأحيان من أغنياء الدول الفقيرة أن عامة الشعب والفقراء هم فقراء لأنهم كسالى ولا يرغبون في العمل ... وذلك عملًا بالأسطورة التي تقول أن السوق الحر الليبرالي يُكافئ الناس حسب إنتاجيتهم.
وفعلًا جزء من هذه الأسطورة صحيح، يعني مثلًا لو أصبحت تتكلم لغة عمل دولية ولديك شهادات وتراخيص معترف بها عالميًا، سيكافئك السوق ودخلك سيرتفع ... لكن هذا الاستحقاق ليس صفة فردية بحتة، هناك عوامل أخرى لها تأثير كبير وقوة تفاوضية ... ألا وهي البنية التحتية المؤسسية وعلاوة المكان.
هربرت سايمون، الحائز على نوبل في الاقتصاد، يقول " أن نحو 90% من الدخل في الدول الغنية هو ميراث اجتماعي لا إنجاز فردي"، هو نتاج مؤسسات ونظام تعليمي وبنية تحتية ورثها الفرد ولم يخترعها.
يعني مثلًا الفرد في الدول الغنية لا ينتج بمعزل عن شبكة كهرباء مستقرة، وقضاء ينُفذ العقود، وسوق رأسمال عميق، ونظام تعليمي بناه المجتمع على مدى عقود ... ولو انتقل هذا الفرد إلى بيئة تفتقر لهذا كله، ستنهار إنتاجيته الفعلية رغم أنه لم يتغير فيه شيئًا، ذلك لأنه مضطر أن بذل جهد وساعات عمل ومخاطرة أكبر من لو كان في الدول الغنية ...
في عام ١٩٩٥ وارن بافيت قال " أنا شخصيًا أعتقد أن المجتمع مسؤول بنسبة كبيرة عما حققتهُ، فإذا زرعتني في بنجلاديش أو بيرو أو مكان ما، ستكتشف كم ستنتج هذه الموهبة في التربة الخطأ، كُنت سأظل أكافح كفاحًا مريرًا لثلاثين سنة أخرى … إنني أعمل في نظام سوق يتصادف أنه يُحسن جدًا ما أفعله".
ويؤكد هذا الكلام … أن تقارن بين إنتاجية ومستوى الدخل أفراد الدول الفقيرة قبل السفر وبعد السفر …
والمُفارقة العجيبة أن الأغنياء في الدول الفقيرة هم اللذين يملكون فعليًا القدرة على تشكيل المؤسسات والنهوض بالاقتصاد والأفراد، لكن نادرًا ما يفعلون … لأن هيكل الحوافز في اقتصادات كثيرة يجعل الريع (مال، أرض، استيراد، تراخيص) أربح وأسرع بكثير من الاستثمار الإنتاجي طويل المدى المنوط بالنهوض بمستوى دخل الأفراد.
يعني …
الدخل ليس مرآة نقية للجدارة، لا بين الأفراد ولا بين الجنسيات ... هو نتاج تراكمي لمؤسسات موروثة، وقوة تفاوضية … والإنتاجية ليست صفة تسكن الفرد، بقدر ما هي نتاج تفاعل بين الفرد والبيئة الذي تقف خلفه وأغلب البيئات ميراث لا اختيار.
Show translation







