
طبيب أطفال ومترجم ومدرب مهتم بالشأن الثقافي والتثقيف الصحي #المترجم_المعتمد [email protected]
RCMC,Yanbu,KSA ينبع#
Joined January 2013
- Tweets24.2K
- Following1.3K
- Followers9.7K
- Likes2.7K
بيت واحد وطفولتان
هل يضيق الأخ الكبير بالصغير؟
بعد صلاة الجمعة، ورائحة الهيل تتصاعد من الدلة التي تدور بين الإخوة في مجلس الوالد الذي توسط أولاده وأحفاده ، يحدث هذا ويمازح ذاك كان أكبرهم يتحدث عن طفولته، دخل أخوه الأصغر آخر العنقود مرتدياً جينز وقميصا ملونا، فالتفت الأكبر إلى والده مبتسماً: الله يا الدنيا، لما لبست بنطلون وقميص انحرمت من المصروف وتصدقتم ببنطلوني وقميصي، ضحك الحاضرون، وضحك الأخ الأصغر ونظر إلى والده، الذي تنحنح وقال : "كل شيء في الدنيا والمجتمع يتغير واللباس من المتغيرات ، لكل وقت لباسه...صح ولا لا؟"
هذا الموقف يتكرر بصور مختلفة وتصرفات وأراء متعددة ويأتي سؤال: لماذا يعامل الوالدان أولادهما بطرائق مختلفة، ولماذا يحتفظ بعض الأبناء الكبار بشيء من المرارة حتى بعدما يكبر الجميع ويتجاوزون سنوات الطفولة؟
وواقع الأمر أن اختلاف معاملة الأبناء مشاهد عبر التاريخ، فقد سُئلت أعرابية قديماً عن أحب أبنائها إليها، فقالت: "الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود"، وكأنها اختصرت في عبارة واحدة ما لاحظه الباحثون اليوم وهو أن القلب يميل إلى حاجة الابن في لحظتها، فإذا زالت الحاجة عاد الميزان إلى استوائه غالباً، وإن ظل الابن الذي لم يكن محتاجاً يتذكر تلك اللحظة زمناً طويلاً.
ماذا يرى الطفل الأول حين يولد أخوه؟
لا يستقبل الطفل الأول أخاه الجديد كما يستقبله أبواه، فالأبوان يريان روحاً جديدة تضاف إلى الأسرة، بينما قد يرى الطفل شخصاً جاء ليشاركه حضناً كان له وحده، ووقتاً كان يحظى بمعظمه، واهتماماً لم يكن ينافسه فيه أحد، فإذا انشغلت الأم برضيعها وسهرت على رعايته، فقد يفسر الصغير ذلك على أنه تراجع في مكانته، مع أن الحب لم ينقص، وإنما اتسعت مسؤوليات الوالدين.
ومع هذا، فلا يصح أن نجعل الغيرة قدراً محتوماً لكل أخ أكبر، فقد راجعت الباحثة الأمريكية بريندا فولينغ ما نُشر خلال عقود عن تحولات الأسرة بعد ولادة طفل جديد، وخلصت إلى أن الأطفال يختلفون في استجابتهم، فمنهم من يظهر الضيق، ومنهم من يتكيف ، ومنهم من يشعر بالمسؤولية والمودة، ثم تتبعت مع فريقها أطفالاً طوال العام الذي تلا ولادة إخوتهم، فوجدت أن ما يظهر على بعضهم من ضيق يعقبه تكيّف في الغالب، ووجدت أن طبع الطفل وتعاون الوالدين وثقتهما بقدرتهما على التربية كانت من أهم ما يتنبأ بحسن تكيفه، فالغيرة إذن ليست صفة تلازم ترتيب الميلاد، وإنما شعور قد ينشأ من طبيعة العلاقة وما يطرأ عليها من تغيرات.
لماذا يبدو الصغير محظوظاً دائماً؟
ولا يقف الأمر عند قدوم المولود، فالطفل يكبر وتكبر معه قدرته على المقارنة، فيرى أخاه الأصغر يحصل على ما مُنع منه، أو يُعذر في تصرف عوقب هو عليه، ويسمع العبارة التي يعرفها معظم الأبناء الكبار: "أنت الكبير، يجب أن تتحمل".
وقد يكون المطلوب منه مفهوماً في بعض المواقف، ولكن تكراره حتى يصير الكبير مطالباً بالتنازل دائماً، والصغير يعفى دائماً، يجعل فرق السن يبدو امتيازاً لطرف وعبئاً على الآخر.
وفي بيوتنا تأخذ هذه العبارة صوراً مشاهدة، فالأب يُكنّى غالباً باسم ابنه البكر، مما يضع على كتفي الصغير شيئاً من المسؤولية قبل أوانه، وغالباً ما يصبح الابن الأكبر سائق البيت قبل أن يألف مقعد القيادة، فيوصل أمه وأخواته إلى المدرسة والمستوصف والبقالة، وقد كان هذا الدور أثقل في السنوات التي سبقت قيادة المرأة للسيارة عام 2018، أما البنت الكبرى فكثيراً ما تتحول إلى أم ثانية، تراجع دروس إخوتها، وتجدّل شعر أخواتها كل صباح قبل المدرسة، وتُسأل عن كل خطأ يقع في غياب أمها، وهذه الأدوار في أصلها جميلة، تعلّم صاحبها المسؤولية والرحمة، غير أنها تتحول إلى عبء حين تُفرض دون شكر، أو حين يُحرم الكبير بسببها من طفولة يراها ممنوحة لإخوته بلا ثمن.
هل تغيّر الوالدان أم تغيّر الزمن؟
ولعل أكثر ما يدهش الأبناء أن الوالدين أنفسهم يتغيران، فالطفل الأول يأتي غالباً إلى أبوين يتعلمان الأبوة والأمومة ، فيبالغان أحياناً في الحذر أو التشدد خوفاً من الخطأ، ثم تمضي السنوات وتزداد خبرتهما وثقتهما، فيصبحان أكثر مرونة وأقل تمسكاً ببعض القواعد، وربما تحسنت ظروفهما المادية، أو خف ضغط العمل، أو تبدلت نظرتهما إلى النجاح والتربية، فيجد الابن الأصغر والدين مختلفين قليلاً عن اللذين عرفهما أخوه الأكبر.
ويظهر ذلك في تفاصيل البيت اليومية، فالمصروف المدرسي زاد في جيب الصغير، والجوال الذي انتظره الأول حتى المرحلة الثانوية قد يصل إلى يد أخيه في الصف الرابع، والسهر الذي كان ممنوعاً في ليالي الدراسة قد يصبح مسموحاً بعد أن تعبت الأم من خوض المعركة نفسها مرة بعد مرة، ولا يعني ذلك أن الصغير أحب إلى والديه، وإنما يعني أنه جاء إلى بيت تغيرت ظروفه وأدواته وأعصابه.
وتزداد الفروق وضوحاً إذا كانت المسافة العمرية كبيرة ، فقد يكون أحد الأبناء في الجامعة والآخر في الابتدائية، فيرى الكبير حناناً وحماية للصغير، بينما يسمع حديثاً عن الاعتماد على النفس والمسؤولية، وهذه الفروق منطقية، فاحتياجات الأطفال تختلف باختلاف أعمارهم، وقد حلل الباحث الأمريكي ألكسندر جنسن وفريقه نتائج نحو ثلاثين دراسة أُجريت في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وشملت أكثر من تسعة عشر ألف مشارك، ونُشر تحليلهم مطلع عام 2025، فوجدوا أن الأبناء الأصغر يحظون عموماً بمعاملة أكثر تسامحاً، بينما يُمنح الأكبر مساحة أوسع من الاستقلالية ، وفي هذه النتيجة مفارقة لطيفة، فالكبير يغبط الصغير على الدفء والتسامح، والصغير يغبط الكبير على الحرية والثقة، وكلٌّ منهما يرى ما ينقصه ولا يرى ما في يده.
هل المطلوب المساواة أم العدل؟
هنا يبرز سؤال أدق من سؤال المساواة: هل يشعر الأبناء بالعدل؟ فليس من الحكمة أن نعطي طفلاً في الخامسة حرية أخيه ذي العشرين عاماً، ولا أن نحمّل الصغير مسؤوليات الكبير، ولكن من الحكمة أن نشرح أسباب اختلاف المعاملة، وأن نحفظ لكل واحد نصيبه من الاهتمام والإنصات والتقدير، وقد وجدت الباحثة أماندا كوال أن الأطفال الذين يرون الفروق في معاملة والديهم مبررة كانوا أعلى تقديراً لذواتهم وأقل في المشاكل السلوكية.
وتشير مراجعة تحليلية نُشرت عام 2024، جمعت بيانات أكثر من ستة وعشرين ألف مشارك، إلى ارتباط تفضيل الوالدين أحد الأولاد بمزيد من المشكلات الانفعالية والسلوكية لدى الأولاد المفضل عليهم، ولاحظت أن بعض هذه الارتباطات يشتد حين يتقارب الإخوة في العمر، وربما لأن المقارنة بين أخوين متقاربين أسهل من المقارنة بين طالب جامعي وطفل في الابتدائية، ولا تعني هذه الدراسات أن كل اختلاف في التربية يسبب ضرراً، ولا تثبت أن الغيرة تنشأ دائماً بسبب الوالدين، فطباع الأبناء، وأحوال الأسرة، وطريقة تفسير المواقف، كلها عناصر تتداخل في هذه العلاقات الإنسانية الدقيقة.
وفي السيرة موقف يلتقي مع هذه النتائج على بُعد القرون، حين جاء بشير بن سعد يريد أن يُشهد النبي صلى الله عليه وسلم على عطية خص بها ابنه النعمان، فسأله: "أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟"، فلما أجاب بالنفي قال: "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"، وفي رواية لمسلم سأله: "أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟"، فكأن السؤال يربط بين عدل الوالدين اليوم وما يجدانه من أبنائهما غداً، وهو المعنى نفسه الذي تقترب منه الأبحاث حين تلاحظ أن الأبناء الأقل حظوة تكون علاقاتهم الأسرية في الغالب أكثر توتراً.
هل يتغير الأمر بازدياد عدد الإخوة؟
في الواقع يزداد المشهد تعقيداً حين لا يكون في البيت ابنان فقط، وإنما أربعة أو خمسة، وهو مشهد مألوف في مجتمعنا وإن قلّ في السنوات الأخيرة، إذ كانت المرأة في المملكة تنجب في السبعينات نحو سبعة أبناء في المتوسط، بينما لا يتجاوز هذا المتوسط اليوم ثلاثة ومع ذلك فلعل بعض قراء هذه السطور نشأوا بين خمسة إخوة أو أكثر، ونشأ آباؤهم بين عدد أكبر، وفي البيت الكبير لا يتوزع وقت الوالدين بالتساوي مهما حاولا، ويتشكل داخل الأسرة ما يشبه التحالفات الصغيرة، فالكبيران يتقاربان، والصغيران يتلازمان، ويبقى من بينهما يتنقل بين الفريقين دون أن ينتمي تماماً إلى أحدهما.
وهنا يظهر الحديث الشائع عن الابن الأوسط الذي قد يشعر بأنه منسي، فقد وجدت الباحثة كاثرين سالمون وزميلها مارتن دالي عام 1998 أن الأوسطين أميل من أخوتهم للجوء إلى الإخوة وقت الشدة بدلا من والديهم، غير أن الدراسات اللاحقة لم تؤكد هذه النتائج بالقوة نفسها، كما حللت الباحثة الألمانية جوليا رورر وزميلاها بيانات أكثر من عشرين ألف بالغ من ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا، فلم يجدوا أثراً يُذكر لترتيب الميلاد في سمات الشخصية الكبرى، فالابن الأوسط ليس محكوماً عليه بالنسيان، وإنما يكمن الخطر في الطفل الهادئ الذي لا يطلب كثيراً، فيظن والداه أنه لا يحتاج كثيراً.
وفي البيوت الكبيرة يتسع الفارق بين الأول والأخير حتى يقترب من جيل كامل، فقد يولد الأول والأسرة في شقة مستأجرة بسيارة واحدة، ويولد الخامس وقد استقر البيت واستقرت معه أعصاب الوالدين، وكثيراً ما نسمع في مجالسنا من يقول "أخوي الكبير هو اللي رباني"، فيصبح الكبير والداً ثالثاً في البيت، ويحمل في ذاكرته والديه في سنوات الشدة، بينما يحمل الصغير صورتهما في سنوات الرخاء.
وفي سورة يوسف ما يختصر هذه الحساسية في آية واحدة، حين قال الإخوة: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾، فالكثرة لم تمنحهم طمأنينة لمكانتهم، وظلوا يقيسون مكانتهم في قلب أبيهم مقارنة بأصغر أبنائه، وكأن القصة تذكّر كل بيت كبير بأن عدد الأبناء لا يغني أحدهم عن نصيبه من قلب والديه.
ماذا في وسع الوالدين؟
يستطيع الوالدان أن يفعلا أشياء صغيرة تترك أثراً كبيراً، كأن يخصصا لكل ابن وقتاً ينفرد فيه بهما، ولو كان مشواراً قصيراً إلى المخبز أو الحلاق أو الصلاة ، حيث يصير موعداً خاصاً لا يزاحمه فيه أحد، أو أن يسمعا شكواه دون أن يسارعا إلى اتهامه بالغيرة، أو يشكرا الكبير على مساعدته من غير أن يفرضا عليه دور الأب البديل
والأهم ألا يقارنا أبناءهما أمام إخوتهم، فالطفل الذي يسمع باستمرار أن أخاه أذكى أو أهدأ أو أكثر طاعة قد يبدأ بالنظر إليه منافساً، مع أنه كان يستطيع أن يراه رفيقاً وسنداً، وليس المطلوب إلغاء الاختلاف بين الأبناء، وإنما ألا يتحول إلى ترتيب لقيمتهم في قلوب والديهم.
لماذا يتذكر الإخوة البيت نفسه بطرق مختلفة؟
وقد يحمل الإنسان تلك المقارنات معه لفترة طويلة، فيجلس الإخوة وقد شابت رؤوسهم، ويستعيد أحدهم عقوبة لا ينساها، بينما يتذكر آخر مواقف الحنان والرعاية، وكأن كل واحد منهم نشأ في بيت غير بيت الآخر، وفي ذلك شيء من الحقيقة، لأنهم وإن اشتركوا في الجدران والأسماء، فقد عاشوا مراحل مختلفة من حياة الأسرة، ورأوا وجوهاً مختلفة من والديهم.
وقبل أن ينفض مجلس الجمعة، وضع الأخ الأصغر فنجانه، والتفت إلى أخيه الأكبر مبتسماً وقال: "وأنت كنت تطلع مع أبوي في كل مشوار، وأنا أنتظركم عند الباب" فضحك الجميع مرة أخرى، وأدرك كل منهما أنه كان يغبط الآخر على شيء لم يره صاحبه، فما عاشه الكبير عبئاً ومسؤولية رآه الصغير صحبة وامتيازاً، وما عاشه الصغير دلالاً وتسامحاً رآه الكبير تفريطاً في قواعد التزم بها وحده.
ولعل الرسالة الأهم للآباء ألا ينشغلوا بتحقيق المساواة بين الأبناء، وإنما بتحقيق العدل الذي يشعر به كل واحد منهم، فلا يتحول كبر السن إلى عقوبة دائمة، ولا صغره إلى حصانة من المسؤولية، ولا تصبح المحبة شيئاً يضطر الأبناء إلى التنافس عليه، أما الأبناء ففي فهمهم لتغير الظروف والأعمار والخبرات ما يخفف بعض عتاب الذكريات، ويترك مساحة للتسامح، فليس كل اختلاف في المعاملة اختلافاً في المحبة.
من ماء المزهرية إلى جائزة نوبل
كيف علّمنا طحلبٌ أسرار الدماغ؟
هل لاحظت يوماً مزهرية نُسي ماؤها أياماً على حافة نافذة، أو قارورة منسية بجانب حوض، وقد أخذ ماؤها يخضرّ شيئاً فشيئاً؟
في الحقيقة، يحوي ذلك اللون الأخضر ملايين الكائنات الدقيقة، بينها طحالب وحيدة الخلية تسبح بسوطين صغيرين بحثاً عن الضوء...
والمدهش أن هذا الكائن الصغير الذي لا يملك دماغاً ولا عيوناً كعيوننا، قاد العلماء إلى اكتشاف يساعدهم على فهم شيء من أسرار الدماغ البشري، ذلك العضو العجيب الذي يختزن ذكرياتنا، ويوجه حركاتنا، وتتشكل عبر شبكاته العصبية مشاعرنا وسلوكياتنا.
وهي واحدة من الحكايات العلمية التي تبدأ بسؤال بسيط، ثم تقود إلى ما لم يخطر على بال أصحابها، ولعل هذا من جمال العلم، إذ تفتح الإجابة عن سؤال صغير أبواباً لأسئلة أكبر، ويقود البحث عن سر كائن متواضع إلى فهم شيء من أعقد ما في الإنسان.
وفي الخامس من أكتوبر 2026، أعلنت جمعية نوبل في معهد كارولينسكا بالسويد منح جائزة نوبل في الفسيولوجيا أو الطب لثلاثة علماء، هم الألمانيان بيتر هيغمان وجورج ناغل والأمريكي كارل دايسروث، تقديراً لاكتشافاتهم المتعلقة بالقنوات الأيونية التي يفتحها الضوء، وتطويرهم تقنية تُعرف باسم "علم البصريات الوراثية"، وهي تقنية تتيح للعلماء تشغيل خلايا عصبية بعينها وإيقافها بومضة ضوء داخل دماغ حي.
كيف يعرف طحلب صغير طريقه إلى الضوء؟
بدأت الحكاية حين كان العالم الألماني بيتر هيغمان يبحث في الطريقة التي تستشعر بها طحالب خضراء وحيدة الخلية الضوء وتسبح نحوه، وهو سؤال ربما يبدو بسيطاً، لكنه قاد إلى التعرف على بروتين حساس للضوء في غشاء هذه الخلية.
وبالتعاون مع جورج ناغل وزملاء آخرين، تبيّن أن هذا البروتين يعمل كبوابة دقيقة في غشاء الخلية، تظل مغلقة في الظلام، فإذا سقط عليها ضوء من لون معين انفتحت، وسمحت بمرور جسيمات مشحونة كهربائياً تُسمى الأيونات، فيتغير الجهد الكهربائي للخلية، وهذا التغير في الجهد هو لغة التخاطب بين الخلايا العصبية في أدمغتنا.
وفي عام 2003، خطا الفريق خطوة حاسمة حين أدخل الجين المسؤول عن إنتاج هذا البروتين إلى بويضات الضفادع وإلى خلايا بشرية مزروعة في المختبر، فإذا بها تستجيب للضوء كما يستجيب الطحلب، وكان معنى ذلك أن هذا البروتين يحمل حساسيته للضوء معه إلى أي خلية يُزرع فيها، وهنا بزغ السؤال الذي فتح الباب لكل ما جاء بعده: ماذا لو أُدخل هذا الجين إلى الخلايا العصبية نفسها، ثم استُخدم الضوء للتحكم في نشاطها؟
هل يمكن أن نشغّل خلية عصبية بومضة ضوء؟
في عام 2005، جاءت الإجابة من مختبر كارل دايسروث، الطبيب النفسي وأستاذ الهندسة الحيوية في جامعة ستانفورد، حين أدخل مع زملائه هذا الجين إلى خلايا عصبية مأخوذة من الجرذان، ثم سلطوا عليها نبضات من الضوء الأزرق، فاستجابت بإشارات كهربائية منضبطة بدقة تبلغ أجزاء من الألف من الثانية، وفي العام التالي حملت التقنية اسمها الذي تُعرف به اليوم، ثم تطورت حتى صار من الممكن استخدامها داخل أدمغة حيوانات حية، فأصبح العلماء قادرين مثلاً على تحريك شوارب فأر بتنشيط مجموعة محددة من الخلايا العصبية في المنطقة المسؤولة عن الحركة في دماغه.
ولتقريب الفكرة، تخيل مدينة شاسعة تضيئها ملايين المصابيح المتصلة بشبكة كهربائية واحدة شديدة التعقيد، وأنت تريد معرفة وظيفة نوع واحد من هذه المصابيح، لكنه مبثوث بين غيره في كل أحياء المدينة، ولا تملك مفتاحاً يشغله بمعزل عن البقية، فستبقى حائراً أمام الشبكة كلها لا تدري كيف تعزله عن غيره.
ثم تخيل أنك استطعت أن تركّب في هذا النوع وحده مستشعراً صغيراً يستجيب للضوء، فإذا وجهت ومضة من كشاف نحو المدينة أضاءت تلك المصابيح وحدها، وأمكنك أن تراقب ما يحدث في المدينة كلها حين تعمل، وهذا ما يعنيه اسم التقنية تماماً، فهي "وراثية" لأن العلماء يستخدمون الجينات لاختيار الخلايا التي يُزرع فيها البروتين الحساس للضوء، و"بصرية" لأنهم يستخدمون الضوء لتشغيلها، وقد طوروا لاحقاً بروتينات أخرى مأخوذة من كائنات دقيقة تعمل بالعكس، فتُخمد نشاط الخلية حين يسقط عليها الضوء.
وكانت النقلة الكبرى أن العلماء انتقلوا من مجرد ملاحظة نشاط الخلايا العصبية الذي يصاحب سلوكاً معيناً، إلى القدرة على تغيير هذا النشاط بأنفسهم ورؤية أثره في السلوك، أي من معرفة أن الخلايا تنشط مع السلوك، إلى معرفة هل هي سببه فعلاً.
ماذا كشف الضوء عن الدماغ؟
فتحت هذه التقنية آفاقاً واسعة لفهم الشبكات العصبية المسؤولة عن الحركة والذاكرة والخوف وبعض المشاعر والسلوكيات، وأصبحت أداة يومية في مختبرات علم الأعصاب حول العالم، يستعين بها الباحثون في دراسة دور مجموعات معينة من الخلايا العصبية لدى حيوانات التجارب في حالات تحاكي أمراضاً مثل داء باركنسون والصرع والاكتئاب والقلق، وهي أمراض ما زالت كثير من تفاصيلها بحاجة إلى فهم أعمق.
غير أن من المهم ألا نخلط بين فهم وظيفة الخلايا العصبية والقدرة على علاج الأمراض المرتبطة بها، فنجاح العلماء في تعديل سلوك فأر بالتحكم في نشاط مجموعة من خلاياه لا يعني أن بين أيدينا علاجاً جاهزاً للإنسان، ولا أن المشاعر والذكريات يمكن التحكم فيها بهذه البساطة، فدماغ الإنسان أعقد من أن تُختزل وظائفه في مفتاح واحد، واستخدام هذه التقنية فيه يتطلب إدخال جين جديد إلى خلاياه، ثم إيصال الضوء إلى أعماق نسيج لا يبلغه الضوء أصلاً، ولهذا ما زالت تطبيقاتها العلاجية في الأمراض العصبية والنفسية في طور البحث.
لكن في الجسم عضواً واحداً خُلق ليستقبل الضوء، ويمكن الوصول إليه بإبرة دقيقة دون فتح الجمجمة، وهو العين، فكانت أول باب طرقه العلماء حين أرادوا نقل هذه التقنية من المختبر إلى المريض.
هل يمكن للضوء أن يعيد البصر؟
من أكثر التطبيقات الطبية إثارة للأمل محاولة استخدام هذه التقنية لاستعادة شيء من القدرة على الإبصار لدى المصابين بمراحل متقدمة من "التهاب الشبكية الصباغي"، وهو اسم شائع مضلل بعض الشيء، لأن المرض ليس التهاباً، وإنما مجموعة من الأمراض الوراثية تموت فيها تدريجياً الخلايا المستقبلة للضوء في الشبكية، وقد ينتهي بضعف شديد للبصر أو فقدانه تماماً، ويرتبط بأكثر من مئة جين مختلف، مما يجعل تصميم علاج جيني لكل طفرة على حدة أمراً عسيراً.
والفكرة هنا ذكية في بساطتها، فحين تموت الخلايا المستقبلة للضوء تبقى خلفها طبقة أخرى من خلايا الشبكية تُسمى الخلايا العقدية، وهي التي تنقل الإشارات البصرية إلى الدماغ عبر العصب البصري، لكنها في معظمها لا تستجيب للضوء مباشرة، فماذا لو منحناها هذه القدرة؟ عندها يتجاوز العلاج الخلايا الميتة، فتتحول الإشارة الضوئية إلى إشارة كهربائية تمضي عبر العصب البصري إلى الدماغ، أياً كان الجين الذي سبب المرض.
وفي دراسة سريرية نُشرت في مجلة نيو إنغلاند الطبية في السابع من أكتوبر 2026، أي بعد يومين فقط من إعلان الجائزة، حقن الباحثون في العين الأضعف لدى كل مريض فيروساً معدلاً يُستخدم ناقلاً للجينات، يحمل جيناً ينتج بروتيناً حساساً للضوء مشتقاً هو الآخر من الطحالب، فيستقر هذا البروتين في الخلايا العقدية، ولأن حساسيته أضعف بكثير من حساسية العين السليمة، يرتدي المريض نظارات خاصة مزودة بكاميرا تلتقط المشهد أمامه، ثم تحوله إلى نبضات من ضوء كهرماني قوي تُسلط على الشبكية مباشرة.
كانت الدراسة صغيرة، وشملت عشرة بالغين فقدوا بصرهم كلياً أو كادوا بسبب مراحل متقدمة من المرض، وكان هدفها الأساسي التأكد من سلامة العلاج، مع رصد مؤشرات أولية على فاعليته، وهي امتداد لتقرير نُشر عام 2021 عن أول مريض جُرّب عليه هذا العلاج واستعاد به قدرة محدودة على تمييز الأشياء من حوله.
أظهرت النتائج تحسناً في حساسية العين للضوء لدى سبعة من المشاركين العشرة أثناء ارتداء النظارات، أما في الاختبارات العملية التي طُلب فيها من المشاركين أن يكتشفوا أشياء بسيطة كدفتر أو علبة صغيرة، وأن يحددوا مكانها ويمدوا أيديهم إليها، فقد أظهر أربعة من الثمانية الذين أكملوها تحسناً ثابتاً تكرر على امتداد عام أو أكثر من المتابعة، كما أظهرت تسجيلات النشاط الكهربائي للدماغ لدى بعضهم أن الإشارات البصرية كانت تصل فعلاً إلى القشرة البصرية، ولم تخلُ التجربة من مضاعفات في العين، كان معظمها خفيفاً أو متوسطاً، باستثناء حالة شديدة واحدة زالت خلال دقائق.
هذه النتائج مشجعة، لكنها لا تعني أن المرضى استعادوا بصرهم الطبيعي، فهم لم يستعيدوا القدرة على القراءة ولا على تمييز الألوان والتفاصيل، وكل ما كسبوه قدر من الإحساس بالضوء والأشياء من حولهم لا يتحقق إلا بارتداء النظارات، كما أن دراسة بهذا الحجم ومن دون مجموعة مقارنة لا تكفي لإثبات فاعلية العلاج أو سلامته على المدى الطويل، ولا بد من دراسات أكبر وأكثر ضبطاً قبل أن يصبح جزءاً من الممارسة الطبية المعتادة، ومع ذلك فإن من عاش سنوات في ظلام كامل أو شبه كامل قد يجد في قدرته على تمييز باب الغرفة أو مدّ يده نحو شيء على الطاولة فرقاً كبيراً في حياته اليومية.
ما الذي يعلّمنا إياه طحلب صغير؟
ما يستحق التأمل في هذه الحكاية ليس استطاعة العلماء التحكم في نشاط بعض الخلايا العصبية بالضوء فحسب، وإنما أن الاكتشاف كله بدأ من سؤال عن طريقة سباحة طحلب صغير نحو الضوء، ولم يبدأ من محاولة مباشرة لعلاج مرض في الدماغ أو إعادة البصر إلى من فقده، ولو سأل أحدٌ يومها عن فائدة دراسة طحلب في الماء، لما خطر بباله أن الإجابة ستمر يوماً بمختبرات علم الأعصاب وعيون المكفوفين.
لقد احتاج الأمر إلى أكثر من عقدين من البحث، وتعاون علماء من تخصصات متباعدة، بين أحياء الطحالب والفيزياء الحيوية والطب النفسي، وتراكم اكتشافات صغيرة، حتى أصبحت فكرة كانت أقرب إلى الخيال العلمي أداة يستخدمها الباحثون اليوم.
ولعل في الحكاية درساً آخر، أن قيمة الاكتشاف العلمي لا تُقاس دائماً بما يقدمه من علاج فوري، فقد تكون أعظم ثمراته أنه يمنحنا وسيلة جديدة لفهم ما كنا نعجز عن فهمه، ثم تفتح هذه المعرفة أبواباً لعلاجات لم نكن نعرف الطريق إليها.
فإذا رأيت يوماً ماء المزهرية يخضرّ من جديد عند النافذة، فتذكر أن الإنسان تعلّم من تلك الكائنات الدقيقة المتجهة نحو الضوء شيئاً عن الخلايا التي تسهم في تشكيل ذكرياته ومشاعره وحركاته، وأن الحكاية ما زالت في بدايتها، فهكذا يمضي العلم، يبدأ أحياناً من أصغر المخلوقات، ليضيء لنا شيئاً من أعظم أسرار الحياة.
الباب المغلق
Replying to @Kitabh_
🔗📬 لقراءة العدد كاملًا في نشرة «نشرة بين الطب والأدب» والاشتراك ليصلك جديد الأعداد القادمة على بريدك
kitabh.com/p/6acf9a917a1f34d…
د.عبدالقادر الجهني retweeted
البث المباشر لحفل جائزة جمعية الأدب المهنية
في دورتها الأولى 2026
teapawt.net/i/broadcasts/1oKMvNZBP…
الباب المغلق
في المستشفى، معظم أبواب أدوار تنويم المرضى مغلقة بنظام آلي، ولا تُفتح إلا بإمرار بطاقة العمل، ولذلك فإن مرافقي المرضى حين يخرجون في غير أوقات الزيارة لا يستطيعون العودة إلا إذا فتح لهم أحد الموظفين الباب.
أما في الدور الأخير، حيث تُجرى جراحات اليوم الواحد، فالباب من النوع نفسه، وبجواره جهاز قراءة البطاقات، لكنه غير مفعّل لتسهيل دخول المرضى وخروجهم.
مررت اليوم برفقة بعض الزملاء، فوجدنا رجلاً يقف أمام الباب ينتظر من يفتحه له، ولم يحاول فتحه بنفسه، فقد اعتاد أن هذه الأبواب مغلقة ولا تُفتح إلا ببطاقة العمل.
مدّ أحد زملائي يده ودفع الباب فانفتح بسهولة، فالتفت الرجل إلينا وقال مستغرباً: "كنت واقفاً أنتظر مرور أحد الموظفين ليفتح لي، ولم أتوقع أن الباب مفتوح".
واصلت سيري وأنا أتأمل الموقف، وانقدحت في ذهني فكرة هذا النص، وتساءلت: كم من باب وقفنا أمامه طويلاً دون أن نحاول فتحه، لمجرد أننا اعتدنا أنه مغلق؟ وكم من فرصة أضعناها لأننا افترضنا مسبقاً أنها ليست لنا؟ وكم من كلمة طيبة حبسناها خشية ألا تُقبل، وكم من شعور جميل بقي حبيس الصدور لأننا لم نجرؤ على البوح به؟
خرجت من ذلك الموقف بدرس لم أكن أتوقع أن أتعلمه من باب في ممر مستشفى، فتجاربنا السابقة قد تغلق في أذهاننا أبواباً لم تعد مغلقة في الواقع، فنقف أمامها منتظرين من يفتحها لنا، مع أنها قد تكون مفتوحة، أو لا تحتاج إلا إلى دفعة يسيرة.
وقد تتغير الأحوال وتُفتح الأبواب التي طال إغلاقها، بينما نظل نحن أسرى اعتقادنا القديم، نحكم على الباب بالإغلاق قبل أن نختبره، ونحرم أنفسنا الفرصة لأننا توقعنا الفشل قبل أن نحاول.
وما زالت صورة جهاز البطاقات المثبت بجوار ذلك الباب عالقة في ذهني، فهو قائم في مكانه بهيئته الكاملة، يوحي لكل من يراه بأن العبور يحتاج إلى إذن، مع أنه لا يملك من أمر الباب شيئاً، وأحسب أن كثيراً من مخاوفنا يشبهه، يقف بجوار أبوابنا في هيئة الأقفال وهو لا يغلق شيئاً، ولعل الباب الذي نقف أمامه منذ زمن لا ينتظر منا سوى أن نمد أيدينا.
د.عبدالقادر الجهني retweeted
"كلمة خوف في القاموس السعودي.. لا وجود لها"؛ سمو وزير الطاقة وزير الصناعة والثروة المعدنية خلال الكلمة الافتتاحية في مؤتمر البترول العالمي.
د.عبدالقادر الجهني retweeted
كلنا وطنٌ …
كلمةّ وصوتاّ وضميراّ وموقفاّ
الوطن ليس للمساومة
ولاهو للتساؤل
الوطن أنت َ ، أنتِ ..أنا .. نحن
إضافة تقنية مهمة ، لتسهيل القراءة
حجم النص وطريقة عرضه يصنعان فرقاً في تجربة القراءة. تدعم #منصة_قارئ خيارات تكبير النصوص وقارئات الشاشة، لتيسير استفادة ذوي الإعاقة البصرية من المحتوى الثقافي والمعرفي.
اكتشف مزايا المنصة:
engage.moc.gov.sa/books-for-…
#هيئة_الأدب_والنشر_والترجمة
د.عبدالقادر الجهني retweeted
#وزارة_الثقافة تصدر #تقرير_الحالة_الثقافية_في_المملكة2025؛ الذي يقدّم قراءة واضحة تبرز أهم منجزات العام وطبيعة تحدياته.
للاطّلاع على التقرير⬇️
رسالة في البريد المهمل
استيقظ على صوت إشعار رسالة واردة في بريده الإلكتروني.
كان قد خصّص نغمة خاصة لتطبيق البريد، منذ أيام وهو ينتظر خبر قبول الوظيفة على أحرّ من الجمر.
فتح عينيه بنصف انتباه، ثم وقعت عيناه على عنوان الرسالة "سري وعاجل"
ضغط عليها سريعًا، وانتفض جالسًا على سريره، يفرك عينيه، لتتكشف له الكلمات كاملة.
تجمّد في مكانه.
احتقن وجهه، وتزاحمت الأفكار في رأسه.
يحاول أن يستوعب ما جرى:
أيعقل أنني فعلت ذلك؟ لكن… متى؟
يؤسفنا أن نبلغكم بعدم قبولكم في الوظيفة، نظرًا لانتهاء المهلة المحددة دون ردٍّ بالقبول على البريد المرسل لكم من الموارد البشرية بتاريخ 10 يناير...
نظر إلى التقويم.
كان التاريخ: 31 يناير.
توقّف للحظة.
متى أُرسلت؟ وكيف لم يرها؟
وهو الذي كان ينتظر هذه الوظيفة كما ينتظر الغريق خشبة نجاة، ويحلم بها منذ كان على مقاعد الدراسة.
تزاحمت الأسئلة في رأسه.
عاد بذاكرته إلى المقابلة الشخصية.
تذكّر كل سؤال، وكل إجابة، وكل ابتسامة أعقبت ردوده التي ظنّ أنها نالت إعجاب المقابلين.
خرج يومها موقنًا أن القبول مسألة وقت.
مؤهلاته وخبراته وثقته بنفسه…كل شيء كان يقول له: لقد نجحت.
قرأ الرسالة مرة أخرى.
ثم ثالثة.
ثم عاشرة.
لا بد أن هناك خطأ.
كيف لم يرَ البريد؟ كيف لم يرد؟
ضغط زر "رد"، ثم تراجع.
لا… الاتصال أفضل.
بحث في هاتفه عن رقم التواصل، وجده، واتصل بسرعة تخالطها لهفة مكتومة.
كيف حالك أستاذ أحمد؟
الحمد لله، كيف أقدر أخدمك؟
قرأ له الرسالة عن ظهر قلب.
أعتذر منك، لم ترد… فقلنا لعلك غير مهتم.
كاد يصرخ:
لا والله، مهتم… مهتم جدًا… لكن ما وصلني شيء إلا اليوم!
جاءه الرد ببرود مهني:
غير معقول، أرسلنا رسالتين ورسالة أخيرة، ثم أبلغنا الإدارة لإخلاء مسؤوليتنا.
والله ما وصلني شيء…
أنا أرسلت على نفس البريد… بريدك هو…؟
نعم، هو نفسه.
ثم سأل بصوت متردد:
ممكن تعطيني البريد الذي أرسلت منه؟
أملاه الموظف عليه.
كتبه في خانة البحث وهو لا يزال على الخط…
وفجأة ظهر أمامه.
في البريد المهمل.
توقّف قلبه لحظة.
كيف؟ لماذا؟ ومتى؟
وجدتَه ؟ سأله الموظف ببرود.
نعم… لكنه في البريد المهمل، ولا أدري كيف وصل هناك.
حصل خير…و خيرها في غيرها.
أُغلق الخط.
بقي ممسكًا الهاتف، يحدّق في الشاشة، كمن يحدّق في شاهد قبر حلمه.
جلس على طرف السرير… ثم انهار.
بكى.
لم يبكِ الوظيفة وحدها،
إنما بكى الشهور التي بنى فيها مستقبله على هذا الأمل،
بكى ثقته التي كانت تمشي أمامه باعتزاز،
بكى نسخةً من نفسه كانت ترى الطريق واضحًا.
رسالة واحدة…
تصنيف خاطئ…
مجلد منسي اسمه "المهمل"…
تفاصيل صغيرة،
لكنها قادرة على تغيير مسارات كاملة.
مسح دموعه، وحدّث نفسه بصوت خافت:
لعلها ليست النهاية…
لعلها مجرد منعطف.
فالذي أغلق هذا الباب،
قادر على أن يفتح أبوابًا لم تخطر له على بال.
نهض ببطء، مثقلًا بخيبته،
لكن في داخله بذرة يقين صغيرة:
ليس كل ما ضاع خسارة.















