
الأمين السياسي لحزب المؤتمر السوداني Political Secretary @SCPSudan
Khartoum, Sudan
Joined March 2011
- Tweets990
- Following11
- Followers16.4K
- Likes414
Shareif M Osman retweeted
وداعاً جوزيف لاقو
بعض الناس، حين يرحلون، يعمُّ عليهم وعلى شيءٍ من البلاد يرحل معهم .. هكذا يأتي رحيل جوزيف لاقو؛ يفتح دفاتر ذاكرتنا المشتركة، بما فيها من إشراقات وأحلام وخيبات، ومودّةٍ وخصومات، ولحظاتِ قربٍ وجراحٍ لم تندمل. ويستحضر وجوه أهلنا على جانبَي الوطن الذي قسّمه اضطرابُ عقلِ السياسة، وبقي تاريخه - بحلوه ومرِّه - جزءاً منّا جميعاً؛ فنحزن على الرجل، ونتحسّر على ما آلت إليه أحوالنا، وعلى ما كان يمكن أن نصنعه معاً.
اختار هو وآخرون حمل السلاح انطلاقاً من قناعاتهم، بعدما رأوا أن سبل إنصاف أهلهم في الجنوب قد سُدّت وأن العهود قد نُقضت. ولكن بقي جديراً بالتقدير أنه ظلّ يميّز بين السلطة التي تمرّد عليها والناس، محتفظاً بصلاتٍ إنسانية مع كافة مكوّنات المجتمع السوداني لم تقطعها الحرب ولا الحدود التي نشأت لاحقاً .. عَبَر ميادين القتال ومواقع السلطة دون أن يفقد بساطته؛ يشهد عليها بيته المتواضع في لندن، ومائدته المفتوحة للزوّار، وألفته مع الناس، يزورهم ويؤاكلهم ويشاركهم الهموم ويبادلهم المودّة.
نودِّع الرمز المخضرم جوزيف لاقو، وفي النفوس غصّة على وطنٍ عرفنا فيه بعضنا، وكان يمكن أن نبقى فيه معاً بكرامة وعدل وسلام. نودّعه ونحن نخشى على ما تبقّى من السودان أن تمزّقه الحرب ويمضي إلى مزيدٍ من التقسيم، ونخشى على جنوب السودان نفسه أن تبدِّد الصراعات آمال أهله في الأمن والاستقرار والنهوض. فكأنّ الفشل الذي افترقنا بسببه يُصِرُّ على ملاحقتنا في ضفّتَي الوطن المقسوم، على نحو قول المتنبي: "فعلى أيِّ جانبيكَ تميلُ؟" .. ليت صوت العقل والحكمة يسود في السودانَيْن؛ صوناً لما بقي، وفتحاً لطريق السلام والحرية والعدالة والنماء الذي يستحقُّه شعباهما.
لروحه السلام؛ والعزاء لأهله ورفاقه ومحبيه في جنوب السودان وفي السودان؛ فما زالت بين الشعبين قلوبٌ تتقاسم الذكرى، ويجمعها الحزن حين يرحل أمثاله.
التدهور المريع للجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، وأزمة الوقود والخبز، وندرة السلع، كلها نتائج مباشرة لحرب تدخل منتصف عامها الرابع، دمّرت مدخرات السودانيين، وحطّمت البلاد، وأحالت حياة الناس إلى جحيم.
إن الدعوة إلى وقف الحرب اليوم، وليس غدًا، هي دعوة لإنقاذ حياة الناس، ووقف هذا الانهيار، وإتاحة الفرصة لشعبنا ليلتقط أنفاسه، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.
إن المناورة في قضية وقف الحرب لحساب تكتيكات سياسية هي جريمة في حق الشعب السوداني، ومساهمة في تجويع ممنهج لملايين السودانيين.
انقلاب ٢٥ أكتوبر..
حين يتحول الصراع على السلطة إلى تهديد لوجود الدولة
في علم السياسة، يظل الصراع على السلطة صراعاً تكتيكياً، بينما تحدد القضايا الاستراتيجية حدوده ومساراته. ولا يمكن إدارة صراع تكتيكي عبر التلاعب بقضايا تمس وجود الدولة، لأن الخسائر عندها لا تصيب الخصوم السياسيين وحدهم، بل تمتد لتدمير النسيج الوطني وتهديد وحدة البلاد وأمنها وسيادتها.
+
ويتطلب الخروج من هذه المحنة الوطنية مشروعاً استراتيجياً متكاملاً يقوم على خمسة مسارات مترابطة:
أولاً، وقف الحرب وحماية المدنيين، من خلال وقف فوري وإجباري لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون شروط، وحماية المدنيين وعودتهم الآمنة.
ثانياً، عملية سياسية يقودها المدنيون، تُستثنى منها الحركة الإسلامية الإرهابية والمؤتمر الوطني، تناقش قضايا الحرب وجذورها التاريخية والمعاصرة، وتضع قضايا إعادة بناء الدولة السودانية على أسس عادلة ومنصفة لا تكافئ أطراف الحرب على جرائمهم، وتقود إلى حكم مدني ديمقراطي حقيقي.
ثالثاً، السلام والعدالة، عبر معالجة المظالم التاريخية، وجبر الضرر، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين جميعاً عن الانتهاكات دون إفلات من العقاب.
رابعاً، إصلاح القطاع الأمني بإنهاء تعدد الجيوش والميليشيات ومراكز القوة المسلحة، وبناء جيش وطني مهني وقومي واحد يخضع للسلطة المدنية وينأى عن السياسة والاقتصاد.
خامساً، إعادة بناء المؤسسات، بمعالجة الاختلالات التاريخية بين أقاليم السودان المختلفة، وتحقيق العدالة في توزيع السلطة والثروة، وبناء مؤسسات قومية عادلة عبر نظام فيدرالي يمتلك السودانيون من خلاله السلطة في أقاليم السودان جميعها.
+
لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً لصراع كان يمكن إدارته بالسياسة والتوافق، ولانقلاب قوّض فرصة الانتقال المدني. لذلك فإن المسؤولية الوطنية تقتضي وضع مصلحة السودان فوق كل الحسابات الضيقة.
إن المعركة الحقيقية ليست حول من يحكم السودان، بل حول كيف يُحكم، ولصالح من، وعلى أي أساس من الحقوق والعدالة.
ولن يتعافى الوطن إلا حين تصبح حماية وحدته وسيادته قضية استراتيجية لا يجوز التضحية بها، وتكون الكلمة الأخيرة للشعب عبر دولة مدنية ديمقراطية تصون كرامته وتلبي تطلعاته.


